من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مرايا الملح

بقلم / جيهان سيف
مرايا الملح


في زمن تتسارع فيه الحياة، وتتضخم فيه المطالب، وتشتد فيه الضغوط الاقتصادية، و التسارع التكنولوجي الرهيب، يجد الإنسان المعاصر نفسه يقف أمام مرآة مكسورة تعكس ملامح مجتمع مأزوم.

 إننا لا نعاني اليوم من مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل نواجه ما هو أخطر وأعمق.

فحين تتراجع الاخلاق، لا يسقط الإنسان وحده، بل تسقط معه البيوت والروابط والثقة ومعنى الحياة.

فلقد تحولت بعض النفوس إلى واحات من الجفاف الإنساني، حيث غابت الرحمة وحلت الأنانية، وتراجعت القيم التي كانت بالأمس القريب صمام الأمان لبيوتنا وشوارعنا. فحينما تصبح الأزمات الاقتصادية "موسم صيد" لفاقدي الضمير، ويموت في الشوارع منطق الشهامة والرجولة الحقة، نكون أمام كارثة تفوق في خطورتها كل الأزمات المادية. إنها أزمة "مرايا الملح" التي تنهش جسد المجتمع والأسرة.

إن المجتمعات لا تبدأ في الانهيار حين تفقد أموالها، بل حين تفقد معاييرها؛ حين يصبح السؤال ليس: ما الصواب؟ بل: ما الذي سأربحه؟ وحين لا يعود الإنسان يخشى أن يظلم، بقدر ما يخشى أن يُكشف ظلمه..

وهنا تبدأ المأساة؛ حين يفقد الإنسان بوصلته، فيسير بثقة نحو الهاوية، معتقدًا أنه يحرز انتصارًا

ولعل أكثر صور الانحدار الأخلاقي قسوةً أن يستغل الإنسان حاجة إنسان آخر؛ أن يرى ضيق يده فيمد يده إلى كرامته، وأن يعلم اضطراره فيساومه على حقه، وأن يدرك ضعفه فيتخذ من ضعفه وسيلةً لإحكام قبضته عليه..

قد يكون المحتاج أبًا يبحث عن قوت أبنائه، أو أمًّا تسعى إلى ستر بيتها، أو شابًّا يفتش عن فرصة عمل تحفظ له كرامته، أو امرأةً وجدت نفسها في ظرف لا تملك فيه رفاهية الاختيار. فإذا بمن يُفترض أن يكون عونًا يتحول إلى عبء، وإذا بالفرصة بابًا للابتزاز، وإذا بالحاجة التي كان ينبغي أن تستدعي الرحمة تصبح سلاحًا في يد من لا يرحم.

أيُّ انحدار هذا الذي يجعل الإنسان ينام مطمئنًا بعدما استثمر دمعة غيره؟ وأيُّ ربح ذلك الذي يُحصَّل من انكسار قلب، أو ضياع حق، أو استغلال اضطرار؟

إن الحاجة الاقتصادية ليست تفويضًا لأحد بأن ينتهك كرامة الآخرين، والفقر ليس عيبًا يُعاقَب عليه صاحبه، والضعف ليس تصريحًا مفتوحًا للمتسلط كي يستبيح الحقوق.

حين يخسر المجتمع أخلاقه، فهو يخسر قدرته على التعاون والنمو والاستقرار.

ان الأخلاق لا تعود بمجرد الحنين إلى الماضي، ولا باستنكار سلوك الآخرين، ولا بإلقاء المواعظ على الناس من فوق منصات الخطابة. إنها تعود حين يتحول الإيمان بالقيم إلى سلوك يومي يمارس فى الاسره والمدرسه ووعى عميق يبث من خلال وسائل الاعلام المختلفه، وحين تصبح المحاسبة الذاتية أشد حضورًا من الرغبة في إدانة الغير.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11774
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.