من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أزمة النشر العربي.. هل تحمي الحوكمة مستقبل الكتاب؟

القاهرة: خالد بيومي
أزمة النشر العربي.. هل تحمي الحوكمة مستقبل الكتاب؟



شهدت صناعة النشر  في العالم العربي خلال العقدين الأخيرين اتساعًا كميًّا لافتًا تمثّل في تزايد دور النشر وتعدد الإصدارات وكثافة الحضور في معارض الكتب الدولية، غير أن هذا الانتعاش الظاهري يغطي تحته تعقيدات أزمة هيكلية عميقة في آليات العمل الاحترافي.

 عند تأمل تجارب النشر المتقدمة يكشف عن فجوة كبيرة؛ حيث لا يتوقف دور الناشر الغربي عند تسلم المخطوط وطباعته، بل يمتد ليشمل التحرير الأدبي وتطوير النصوص وبناء استراتيجيات تسويقية وإعلامية شاملة، إلى جانب الحضور الجوهري للوكيل الأدبي الذي يتولى حماية المؤلف وإدارة حقوقه الفكرية والتجارية.

ومن ناحية أخرى، يظل الوكيل الأدبي في المشهد العربي غائبًا أو محدود التأثير لضآلة العوائد المالية التي يتحصل عليها الكاتب، والتي لا تسمح بتمويل جهات وسيطة؛ مما يضع الكاتب في مواجهة مباشرة وغير متكافئة مع دار النشر، ويجبره على القبول بعقود جائرة تحمي مصالح الناشر في المقام الأول، وتضعه أمام خيار القبول أو العزوف عن النشر.

​ويتفاقم المشهد مع تراجع المعايير المهنية في اختيار النصوص، حيث أضحى قبول النشر لدى كثير من الدور يعتمد على القدرة المالية للمؤلف أو على الرواج السريع المتوقع، بعيدًا عن الجودة الأدبية والفكرية. وقد أدى تحكم المنطق التجاري إلى بروز موجة من الكتب الخفيفة والتنموية السريعة، بالتوازي مع ظاهرة استنساخ الأعمال الأكثر مبيعًا، أو التكالب على إعادة طباعة الكلاسيكيات الأدبية بعد تجردها من الحقوق الفكرية بحكم القوانين (كأعمال طه حسين وعباس العقاد)، وهو ما يبرز نزوعًا اقتصاديًا مفهومًا بدافع الربح، لكنه يعكس في الوقت ذاته ضعف المبادرة في اكتشاف أقلام جديدة أو تبني مشروعات معرفية رصينة.

وتزامن هذا التحول التجاري مع انحسار الدور التنويري للمؤسسات والنشر الحكومي والأندية الأدبية التي كانت تشكل صمام أمان للثقافة الجادة، مما ترك الساحة لقوى السوق الحرة التي تنقصها الحوكمة والتشريعات المنظمة.

​كما تتقاطع هذه الأزمة الهيكلية مع ضيق قاعدة القرّاء في العالم العربي قياسًا بعدد السكان؛ إذ تشير تقارير اتحاد الناشرين العرب واليونسكو إلى أن الطبعة الأولى لمعظم الكتب الأدبية العربية تتراوح عادة بين 1000 و1500 نسخة فقط، مقارنة بآلاف النسخ في الأسواق الغربية والأسيوية.

وهذا الانكماش في المبيعات يحد من قدرة الناشرين على الاستثمار في التحرير والتسويق، ويدفع بعضهم إلى فرض أعباء مادية على المؤلفين، مما يورث الكتّاب الجادين حالة من الإحباط تدفعهم إلى التوقف عن الإنتاج.

ولا تتوقف الأضرار عند الكاتب والمشهد الثقافي فحسب، بل تمتد لتخلق منافسة غير عادلة تضر بدور النشر الجادة التي تتحمل تكاليف التدقيق والتصميم والتوزيع، لنجد أن الممارسات غير المهنية تحقق أرباحًا أسرع بأقل قدر من المسؤولية.

​على الصعيد اللوجستي، تُواجه حركة الكتاب الورقي بين الدول العربية عقبات ملموسة تتعلق بالرسوم الجمركية وارتفاع تكاليف الشحن، إضافة إلى التعقيدات المالية المتعلقة بتحويل المستحقات وتفاوت الأنظمة الرقابية والحدودية، فضلًا عن اتساع رقعة القرصنة الرقمية وتداول النسخ غير القانونية عبر شبكات التواصل والإنترنت.

 لكن هذه التحديات الورقية تفتح في المقابل الباب لتحول تدريجي نحو القراءة الرقمية والتطبيقات الصوتية (مثل أبجد ووجيز واقرأ لي) التي تسجل معدلات نمو متزايدة في الاستهلاك والانتشار.

إن النهوض الحقيقي بهذه الصناعة يستلزم مراجعة شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة؛ تبدأ من تحديث قوانين الملكية الفكرية، وصياغة عقود متوازنة، وتفعيل الأطر القانونية للوكيل الأدبي، وصولًا إلى تخفيض القيود الجمركية على الكتاب، وتوسيع قاعدة القرّاء عبر تطوير المناهج التعليمية وغرس القراءة كحاجة يومية لا كنشاط هامشي.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11833
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.