من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

السودان: من دفاتر الحرب إلى تباشير السلام

بقلم: صلاح الدين عثمان
السودان: من دفاتر الحرب إلى تباشير السلام



مقدمة

الباعث على هلاك البلاد هو الاستعداد النفسي للسوداني في التعامل مع الخراب، والصبر على التغفيل من قبل السلطان إلى درجة الهوان. 

ومن نتائج ذلك الملابسات التي تطرأ على حياته اليومية حتى بلغ الوطن المستباح أقصى درجات الحضيض. 

فاستمرأ الساسة الشعب وفعلوا به الأفاعيل.


للذكرى

في ختام عهد الإنقاذ شهدت بيوت أصحاب الجاه ترفًا ودعة عاشها أفراد الشعب.

الزائر للمنازل أو المكاتب تقدَّم له الضيافة قبل أن تعقد لسانه الدهشة من الأثاث الفاخر المستورد الذي يجلس عليه، فتبهرك اليد التي تمد له أكواب العصير أو الإشارة إلى طاولة الطعام من جنسيات بعيدة أو قريبة.

ومن قبل، في عهد المستعمر، بُنيت قصور وفلل توارثها أقطاب الحكم الوطني ووظائف مدنية عليا في أحياء سكنية أسوارها جنائن يتعهدها عامل، وما فيها من بهرجة وأطقم قد تشاهدها في فترينات المتاجر الأجنبية أو سنتور مرطبات الفنادق والقطارات.

وتزامن معها ما صاحب الرتب العسكرية الرفيعة من خدمة في منازلها المزودة بالحشم من السائق الخاص إلى خدمته في وقت راحته وسهراته وهو يحمل رتبة عسكرية جراء خدمة الرتبة الرفيعة.

شكلت هذه أزمتنا عندما تنازل عبود عن عرش القصر.


أكتوبر المفترى عليه

سجلت عقارب الزمن في تاريخ البلاد النضال ضد الحكم العسكري الأول، وانبثق عن ذلك الثورة الشعبية التي أطاحت بهم. 

انعقد لواء الأحزاب والنقابات واتحادات الطلاب على بقاء العسكر بعيدًا عن السياسة في قسم تغنت به الحناجر تحتفل بأكتوبر.


أصلح ولا تفسد

لكن انكشف القناع عن ألاعيب الأحزاب. 

استمرت الكلية الحربية تفرخ الضباط الأحرار ليجربوا حكم البلاد وخلخلة التراتبية العسكرية. فالمنصب يناله صاحب الولاء الحزبي.

خضعت الخدمة المدنية في طلب ود العسكر. 

فنشأ طيف من حملة الدرجات العليا العلمية للخدمة في العمل التنفيذي كسيف مسلط بيد العسكر.

وسرعان ما انقلب العسكري على ولائه الحزبي وأذاق قادة التنظيم الذي مكن له درب السلطة الويل والثبور وأشبعهم موتًا بالفناء الجسدي والمعنوي.

فخسرنا اقتصادنا بداية من انهيار الجنيه السوداني إلى زوال المؤسسات بالكلية والانتقال سريعًا إلى نهب الموارد.


في حكايتنا مايو

ما توصلنا إليه في حاضرنا أن تلك الحقبة انقضت بالحكايات. 

من اليوم الأول بدأت الحقبة بالاعتقال وبدأت أصناف العداوة وردود الأفعال. 

من الخطب الملتهبة إلى المنازلة في الميدان، من هراوات الشرطة إلى الحبس والتشريد والانقلاب المضاد، ومن معسكرات التدريب إلى قصفها بالطيران، ومن ثم الغزو المسلح واحتلال أجزاء من العاصمة إلى المشانق وإخفاء القتلى.

ومن تكوين من تدعي الوطنية إلى وصمها بالمرتزقة.


ادعاء المصالحة الوطنية

في غمار الأحداث بادرت الحقبة المايوية بالتأميم واتفاقية للسلام مع التمرد في الجنوب. 

أُدمجت عناصر التمرد في الجيش السوداني، فجعلت الشعب مُشتت الذهن. 

من رفع السلاح في وجه الاستقلال يصبح رفيقًا للسلطة.

وحكام قبل حقبة مايو من سجون الداخل ومنافي الخارج يضمهم الاتحاد الاشتراكي يسبحون بحمد الصنم الجديد ويبايعونه إمامًا للمسلمين.

ليخرج أحد المتمردين من صفوف الجيش بعد إيوائه من التمرد السابق ليربك الدنيا ويزلزل كيان الدولة بحرب لتحرير كامل السودان.

أشهر حاكم مايو إفساد اتفاقية السلام وشغل العباد بقوانين الشريعة. 

وتمددت المعارضة إلى الخارج، وزيّن التقارب مع الإسلاميين غنائم في الاقتصاد لصالح ذوي النفوذ منهم.

نكس الحاكم على عقبيه فأورد الجميع غياهب السجون وسافر للاستشفاء في بلاد العم سام.


تزاوج عسكري مدني في نظام الحكم

فترة انتقالية أعقبتها الانتخابات فجاء بمن صالحوا النظام البائد إلى سدة الحكم. 

في صراع محموم عادوا إلى ضلال الفرقة والشتات للسيطرة على نظام الحكم.

ووجدها المتمرد فرصته ليعمل فيهم برأيه ويستقطب مناصري مايو وأعداءها في قارب واحد. وهم طبقة مستنيرة من كوادر قادت النضال ضد عبود لتضع منفستو الحركة الشعبية لمتمرد عسكري.

حينها أدرك الشعب أن النضال ضد العسكر فرية يفتريها من يريد أن يركب موجة النضال، وتردد خلفه الحناجر فترتد خائبة.


جني ثمار الحرام

تحت جنح الليل في مكيدة جعلت زعماء شباب أكتوبر في ضيافة السجن المركزي يتابعون عسكر لا طعم لهم ولون رمادي كشفته الأيام.

العسكري الجديد الذي ولج الجندية مع تباشير ثورة أكتوبر ورفيقه كذلك أحكم السيطرة وأدخل عضوية التنظيم الإسلامي، ومن بقي في الخدمة من الشعب السوداني في كتائب الجهاد والجنة تحت ظلال السيوف.

وقائد التمرد لا يمسه السوء، بل يأتي بعد أن مزق الإسلاميين إلى مؤتمرين لا علاقة لهما بالوطن ولا بالشعب، وإنما زيف الأسماء، وآخرون في حركات مسلحة تنازل الحكومة وأجهزة أمنية قابضة تخدم النظام.

تأتي بالمتمرد صاحب مشروع الحركة الشعبية إلى سدة الحكم نائبًا أول، ودموع الثكالى لم تجف بعد من فقد ذويهم في جزء عزيز وغالٍ من تراب الوطن.

أسلمت الأجهزة الأمنية السلطان العسكري إلى غياهب السجون بلا إفراج. 

علت أهازيج الثورة إلى اعتصام وفي ذهنها ذهاب مايو، ولكن يونيو غير.

ذبحتهم تحت السحر لأول أيام العيد، ونُحر مجلس الوزراء في ذكرى أكتوبر القديم.

نسي الشعب نضالات الأحزاب تحت الفرمان الجديد: عسكر وحركات مسلحة في سدة الحكم، من ساحات الوغى إلى قسمة السلطة ونهب الموارد تحت سمع وبصر الشعب السوداني، وتدهور مروع في الحياة، والجميع يبحث عن الغنيمة ويصدق الكذاب البواح.


مؤامرة إشعال الحرب

تشهد الأيام الحالية جلاء الحقيقة. 

طرفا النزاع على اتفاق في دمار إنسان السودان. 

بدأت ثمار زواج الثروة المنهوبة وتعاقدها مع السلطات في مد الأطراف بالسلاح وتغييب ما بقي من الشباب لينخرط في معارك.

بدأت خطة دمار البنية التحتية للكهرباء وإجبار الشعب على الركوع بعد استواء ظهره وصف قدميه في نهج سلعتي التعليم والصحة، أن يقضي عمره في الظلام أو تباشير شراء وحدات الطاقة الشمسية خارج نطاق الميزانية.


عود على بدء

بعد أن رأى الشعب ما آل إليه الخراب لابد من مخرج يطمع فيه الجميع. 

إذا أُتيح لهذا الشعب من يأخذ بيده ويوقظه ويمسح عن وجهه التراب ويكفكف دمعه ويعيد شرود ذهنه في المجهول حسرة على ماضٍ تسرب، أن يجد نفسه في مسكن به كافة الخدمات، وطعام يأتيه من حليب الصباح على باب منزله، وبقية الطلبات بالهاتف، وعربة المدرسة والجامعة بالموعد أمام الباب، والاستشفاء عند الطلب والتنويم والعمليات بالمجان، في أي موقع على أرض السودان.

تُقدَّم الخدمة بالطلب في بيتك عبر الشبكة الإلكترونية ولا تكلفك فاتورة للسداد. 

التنظيم لهذا العمل من يخدموك من جنسيات لا تربطك بها رابطة دم. 

ومن يريد العمل من أبناء البلد هم أعلى رفعة ممن يخدموك، تكفيك الوظيفة وتفيض.

وسائل النقل والسفر لا تكلفك ما لا تطيق، فقط التنظيم. 

إن كنت من أصحاب الملك في تجارة وزراعة ورعي لك الإشراف وتترك الخدمة لمن يقومون بها على أحسن وجه بلا خسارة.


لماذا هذا الطرح

لأن القائمين على الأمر أهملوا هذا الشعب بالرغم من أن ثرواته تفيض. 

سوف ترى السودان في طفرة تنموية كلها صناعات ومنتجات من خيرات بلدك. 

البرلمان لأهل التخصص، والحكومة تنفيذية فقط، والنظام يراعي الوطن ومواطنيه. 

لا أحزاب ولا تنظيمات تخدع هذا الشعب، ولا سلطان عسكري أو شرطي أو أمني يستبيح حرمة المواطن والوطن. 

عندئذ لا يهم المواطن ما يقلق منامه.


كيفية الوصول إلى ذلك 

الجميع على دراية بوضع المواطن السوداني حين يغادر الوطن. 

البعثات الدراسية وكورسات العمل، والعمل بالخارج من العامل إلى أستاذ الجامعة مرورًا بكل الوظائف، شهد على تعامل الجميع وشاهد كيف تُدار تلك الدول من دون أن يشترك في عمل سياسي.

إذن السوداني لا يصلح لإدارة عمل سياسي من أدنى درجات السلم إلى رئيس الحزب. 

أوردتنا المهالك، وشاهدنا رئيس البلاد يُذل ويُهان بعد تنازله عن المنصب إجباريًا، ولا يتعظ من يأتي بعده. 

بل يتآمر عليك القريب قبل البعيد. 

منهم من قتل الأسير وهو بالأمس كان ملء السمع والبصر ويؤم المصلين. 

كلها مناصب ولدت الأحقاد، فذهبت أعناق رجال في المقاصل وهم زعامات، وآخرون رفاق في السلاح أفنت أجسادهم الرصاص، وجربنا صعق النار في الأجواء وإطاحة الطيران. 

وكم وارت الرمال من لا حول لهم بحرب يديرها من لصالح من يتصالحون غدًا.


لابد أن نضع أساسًا للبناء بأيدينا، لأن العالم يتفرج علينا وهو مذهول من هذا الشعب الطيب حين يزوره أو يقيم معه، وإن خالف البعض منهم قوانين النظام بداية من إشارة المرور أو أي جريمة يعاقب عليها القانون. 

فهم يتعاملون مع هذا السوداني من نمولي إلى حلفا، ومن الجنينة إلى كل نقاط الشرق، كلهم "يا زول" و"يا زولة".


إرضاء كل السودانيين

يتم ذلك بتشريع دولة المدينة المنورة التي أنشأها رسول الإنسانية خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ففي نهجه علاج لكل المختلفين على طرفي نقيض في العهود المتعاقبة. دولة المدينة احتضنت في عهده مختلف الملل في تعايش سلمي وفق دستور أعظم ما فيه ذلك النهج الذي لم يتكرر، وهو المؤاخاة بين الأنصار ومن وفد إليهم مهاجرًا.

إذن فرصة أبناء السودان في إرساء هذا النهج في ظل دولة غنية يسري فيها هذا النظام، يستقطب العالم طلبًا للود والعيش الكريم في سلام مستدام يحافظ عليه من يعيش على أرض السودان الحبيب.

الإسكندرية 29 أكتوبر 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11842
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.