من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​سر الملوحة الأزلية: كيف صنعت الأمطار والصخور طعم المحيطات؟

القاهرة : خالد شحاتة
​سر الملوحة الأزلية: كيف صنعت الأمطار والصخور طعم المحيطات؟



​نقاش الإخباري – تحقيقات وتقارير علمية


بقلم: المحرر العلمي


​من منا لم يخض تجربة التذوق المفاجئة لمياه البحر أثناء السباحة؟ إنها الملوحة الظاهرة التي نعرفها جميعًا، لكن القليل منا يتوقف ليتأمل الخفايا العميقة لهذه الظاهرة. إن ملوحة البحار والمحيطات ليست حدثًا عشوائيًا أو ميزة طارئة، بل هي نتاج "رحلة كيميائية وجيولوجية" مذهلة امتدت لمليارات السنين، شاركت فيها السماء، والصخور، والأنهار، وعمق المحيطات.

​فكيف تحولت المياه العذبة التي تهطل من السماء إلى هذه الخزانات المالحية الهائلة؟ وما الذي يجعل نسبة الملوحة ثابتة رغم التدفق المستمر للأنهار؟

​1. الرحلة الكيميائية:

من قطرة المطر إلى قاع المحيط

​توضح الإدارة الوطنية للأوقيانوس والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA) أن العملية تبدأ من نقطة غير متوقعة: الهواء.

​أمطار حمضية طبيعية:

عندما يتكثف بخار الماء في الغلاف الجوي، يذوب فيه ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء، متشكلاً حمض الكربونيك الضعيف (H_2CO_3). هذا يجعل مياه الأمطار حمضية بProfile خفيف جداً، لكنه كافٍ لبدء المفعول.

​تآكل الصخور (Weathering):

عندما تهطل هذه الأمطار على اليابسة، تتفاعل مع الصخور والتربة، وتبدأ ببطء شديد في تجزئتها وإذابة المعادن والأيونات الموجودة فيها.

​الطريق إلى البحر:

تنقل الأنهار والعديد من المجاري المائية هذه الأيونات الذائبة. وتعمل الأنهار كشرايين ناضحة تنقل ملايين أطنان المعادن سنوياً إلى المحيطات.


وعندما تصل هذه المياه إلى المحيط، تؤدي حرارة الشمس إلى تبخير الماء النقي فقط (ليعود مجدداً على هيئة سحب وأمطار)، بينما تبقى الأملاح والمعادن حبيسة المحيطات، متراكمة على مر العصور.

​2. بالأرقام: كم تبلغ ملوحة المحيطات؟

​بحسب دراسات الماسح الجيولوجي الأمريكي (USGS):

​نسبة التركيز: يبلغ متوسط ملوحة مياه المحيطات حوالي 35 جزءًا في الألف (35‰)، مما يعني أنه في كل كيلوغرام (أو لتر تقريبًا) من ماء البحر، يوجد نحو 35 غرامًا من الأملاح الذائبة.

​الكون المركب:

يشكل كلوريد الصوديوم (NaCl) — وهو ملح الطعام المألوف — حوالي 85% من إجمالي الأملاح الذائبة في البحر (حيث يمثل أيون الكلوريد Cl^- نحو 55% وأيون الصوديوم Na^+ نحو 30%). أما النسبة المتبقية فتتكون من أيونات أخرى مثل الماغنسيوم، الكبريتات، الكالسيوم، والبوتاسيوم.

​حقيقة مذهلة:

تشير تقديرات USGS إلى أنه لو تم استخراج كل الملح المذاب في المحيطات وفرده كطبقة متساوية على سطح اليابسة بأكمله، لشكل طبقة صلبة يزيد سمكها عن 150 متراً (ما يعادل ارتفاع بنية مكونة من 40 طابقاً)!

​3. المصادر الخفية:

براكين الأعماق والفتحات الحرارية

​على الرغم من أن تجوية صخور اليابسة هي المصدر الأساسي لبعض الأيونات كالصوديوم، إلا أنها ليست المصدر الوحيد. وتكشف أبحاث مؤسسة وودز هول لأبحاث المحيطات (WHOI) عن مصادر أخرى تغذي ملوحة البحر من الداخل:

​الفتحات الحرارية المائية (Hydrothermal Vents):


تُعرف بـ "السخانات البركانية البحرية"، وهي تشققات في قاع المحيط تتسرب منها المياه إلى أعماق القشرة الأرضية فتسخن بفعل الماجما، ثم تندفع مجدداً إلى المحيط محمّلة بتركيزات عالية جداً من المعادن الذائبة.

​البراكين البحرية (Submarine Volcanoes): تطلق البراكين القابعة تحت الماء حممًا وغازات ومواد كيميائية مباشرة في الكتلة المائية، مثل الكلوريد والفلوريد.

​4. اللغز الكبير: لماذا لا تزداد ملوحة البحر باستمرار؟

​إذا كانت الأنهار تصب الملح باستمرار منذ مليارات السنين والماء يتبخر، فلماذا لا تصبح المحيطات أكثر ملوحة يوماً بعد يوم؟

​تؤكد وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) — من خلال بيانات أقمارها الاصطناعية المخصصة لمراقبة الملوحة مثل قمر Aquarius — أن المحيطات وصلت إلى حالة من التوازن الديناميكي (Dynamic Equilibrium) منذ مئات ملايين السنين، بفضل عمليات "إزالة الملح" الموازية:

​البناء البيولوجي: تستهلك ملايين الكائنات البحرية (مثل العوالق، المرجان، والرخويات) أيونات الكالسيوم والكبريتات والسيليكا لبناء أصدافها وهياكلها العظمية.

​الترسيب الجيولوجي: عندما تموت هذه الكائنات، تتجمع هياكلها في القاع وتتفاعل كيميائياً لتعود وتتحول إلى صخور رسوبية (مثل الحجر الجيري).

​التفاعل مع القاع: تمتص رواسب القاع والطين قسماً آخر من الأيونات عبر عمليات التبادل الأيوني.

​5. تباين الملوحة حول العالم: ليست كل البحار سواء

​تختلف الملوحة من مكان لآخر بناءً على معدلات التبخر وزخات الأمطار وتدفق الأنهار:


البحر الميت~340 غرام/لتر (34%)بحيرة مغلقة ذات معدل تبخر هائل مع انعدام منافذ الخروج.

البحر الأحمر~40 غرام/لتر (4.0%)ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر مع قلة الأنهار والمطارات.

بحر البلطيق~7-15 غرام/لتر (0.7-1.5%)محاط بأنهار عذبة كثيرة مع معدلات تبخر منخفضة جداً.


ختاما 

​إن طعم الملح الذي نبتلعه مصادفة أثناء سباحتنا في البحر ليس مجرد مادة كيميائية، بل هو سجل جيولوجي حقيقي يروي حكاية كوكب الأرض؛ حكاية كتبتها حركة الرياح، وقطرات المطر، وتفتت الصخور، وتنفس البراكين في أعماق السحيق، على مدار الملايين من السنين. إنها دورة متكاملة تجعل من المحيط نظاماً حياً متوازناً يضمن استمرار الحياة على كوكبنا.

​المصادر والمراجع الدولية:

​National Oceanic and Atmospheric Administration (NOAA) - Why is the ocean salty?

​United States Geological Survey (USGS) - Why is the Ocean Salty?

​Woods Hole Oceanographic Institution (WHOI) - Hydrothermal Vents and Ocean Chemistry.

​NASA Earth Observatory - Ocean Salinity and Global Climate.

​#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11858
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.