من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​بين رصد "العوالم المشابهة" وأوهام "النسخ الموازية": هل نعيش في كونٍ واحد أم في "فقاعة" ضمن "المتعدد"؟

القاهرة : خالد شحاتة
​بين رصد

​(مصدر الصورة: ميليسا وايس / مركز الفيزياء الفلكية | جامعة هارفارد ومؤسسة سميثسونيان)



​في خطوة تاريخية قد تقرّب البشرية خطوة إضافية نحو حسم السؤال الأزلي: "هل نحن وحدنا في هذا الكون؟"، أعلن علماء الفلك عن تسجيل أول رصد مؤكد لغلاف جوي يحيط بكوكب صخري يشبه كوكب الأرض، يقع داخل "المنطقة الصالحة للحياة" (Goldilocks Zone) حول نجمه.

​ورغم أن هذا الاكتشاف لا يعني بالضرورة العثور على أشكال للحياة، إلا أنه يكشف عن توافر أحد أهم المقومات الأساسية لاستدامتها، وهو الغلاف الجوي الذي يحمي السطح ويحفظ توازنه الحراري. ويُعد هذا الإنجاز – الذي تم رصده وتوثيقه عبر تلسكوبات فضاء متطورة من بينها تلسكوب "جيمس ويب" (JWST) التابع لوكالة ناسا بالتعاون مع وكالتي الفضاء الأوروبية والكندية – محطة فارقة في رحلة البحث عن عوالم شبيهة بالأرض، مما يمهد الطريق لاكتشافات أكثر إثارة خلال السنوات المقبلة.


​ من البحث عن كواكب إلى تساؤل الأكوان: هل كوننا هو الوحيد؟

​في الوقت الذي يواصل فيه الفلكيون مسح مجرتنا "درب التبانة" بحثاً عن كواكب صالحة للسكن، يطرح علماء الفيزياء النظرية سؤالاً أكثر عمقاً وجرأة: هل هذا الكون بكل مجراته التي تتجاوز مليارات المجموعات النجمية هو كل ما يوجد... أم أنه مجرد "فقاعة" واحدة من بين عدد لا يُحصى من الأكوان؟

​قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى أشبه بحبكة من سيناريوهات الخيال العلمي، لكنها في الحقيقة إحدى أكثر الفرضيات إثارة للنقاش في الفيزياء الحديثة، وتُعرف باسم "نظرية تعدد الأكوان" (Multiverse Theory).

​ ماذا عن  فرضية تعدد الأكوان؟

​تقترح هذه الفرضية أن كوننا المرصود ليس الكيان الوحيد في الوجود، بل قد يكون جزءاً من نسيج أكبر يحتوي على عدد هائل – وربما لا نهائي – من الأكوان الأُخرى.

​ويرى العلماء أن كل كون في هذا "الكون المتعدد" قد يمتلك:

​قوانين فيزيائية خاصة: أبعاداً هندسية مختلفة (أكثر أو أقل من أبعادنا الأربعة).

​ثوابت كونية مغايرة: مثل اختلاف سرعة الضوء أو قوة شحنة الإلكترون وقوة الجاذبية.

​تاريخاً كونياً مستقلاً: نشأة وتطوراً لا يمتان بصلة لتاريخ كوننا.


​ كيف قاد العلم الفيزياء إلى هذه الفكرة؟


​لم يخترع العلماء فرضية تعدد الأكوان رغبة في الترف الفكري، بل ظهرت كـ "نتيجة رياضية حتمية" لبعض أبرز النظريات الفيزيائية التي تفسر نشأة الكون، وأهمها:

​نظرية التضخم الكوني الأبدي (Eternal Inflation):

تُشير أبحاث الفيزيائي ألان غوث ومكس تجمارك إلى أن التوسع الهائل للكون في لحظاته الأولى (كسر من الثانية بعد الانفجار العظيم) لم يتوقف في كل الأماكن بدرجة متساوية. يؤدي هذا إلى تكون "أكوان فقاعية" (Bubble Universes) تنفصل عن بعضها البعض للأبد.

​نظرية الأوتار الفائقة (String Theory):

تتطلب هذه النظرية وجود 10 أو 11 بُعداً فضائياً، وتتيح ما يُعرف بـ "مشهد الأوتار" (String Landscape)، والذي يحتمل وجود ما يقارب 10^{500} تكوين مختلف للقوانين الفيزيائية، وكل تكوين يمثل كوكباً أو كوناً محتملاً!

​تفسير العوالم المتعددة لميكانيكا الكم (Many-Worlds Interpretation):

والذي اقترحه الفيزيائي هيو إيفرت عام 1957، ويُرجّح أن كل حدث كمومي يحتمل أكثر من نتيجة يؤدي إلى "انقسام" الواقع، حيث تتحقق كل النوافل والمخرجات الممكنة في أكوان موازية مستقلة.

​تنبيه علمي: يؤكد المجتمع العلمي على أن هذه النظريات تُعد أطراً رياضية ونماذج سياقية، وليست حقائق مثبتة حتى الآن.

​ هل توجد "نسخة أخرى منك" في كون آخر؟

​هذا هو التساؤل الأكثر تداولاً في الثقافة الشعبية والأفلام السينمائية. 

​علمياً، يوضح علماء الفيزياء الفلكية في جامعة برنستون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن أغلب نماذج تعدد الأكوان لا تتحدث عن وجود "نسخ بشرية" اتخذت قرارات مختلفة في حياتها.

​إن معظم الأكوان المفترضة وفق الحسابات الفيزيائية قد تمتلك ثوابت طبيعية لا تسمح أساساً بتشكل الذرات، أو تكون النجوم والمجرات، فضلاً عن ظهور الحياة. بالتالي، فإن فكرة وجود "نسخة موازية من الإنسان" تظل في نطاق الخيال الأدبي والسينمائي أكثر من كونها فرضية مبنية على معطيات علمية دقيقة.


​ الدليل الغائب: هل نملك إثباتاً رصدياً؟


​حتى هذه اللحظة... الإجابة هي: لا.

​لا يوجد أي دليل رصدي مباشر أو إشارة فيزيائية تم التقاطها تؤكد وجود أكوان أخرى خارج حدود كوننا المنظور.

​لا يمكن الاتصال أو التواصل مع هذه الأكوان المفترضة نظراً للحدود الفاصلة التي تفرضها سرعة الضوء وتوسع الفضاء.

​ولهذا السبب، يرى بعض العلماء – مثل عالم الفيزياء النظرية بول شتاينهاردت – أن نظرية تعدد الأكوان تقع في المنطقة الرمادية بين العلم والفلسفة، طالما أنها تفتقر إلى إمكانية "القابلية للاختبار والتفنيد" (Falsifiability).

​ لماذا يستمر العلماء في دراستها؟

​رغم غياب الدليل المباشر، تُوفر فرضية تعدد الأكوان حلاً محتملاً لـ "معضلة الضبط الدقيق" (Fine-Tuning Problem) في الفيزياء؛ فالقوانين الثابتة في كوننا (مثل قوة الجاذبية والكتلة الذرية) مضبوطة بدقة مذهلة تسمح بنشوء النجوم والحياة.

​فإذا كان هناك كون واحد فقط، تصبح هذه الدقة سرّاً غامضاً يحتاج إلى تفسير. أما إذا كان هناك عدد لا نهائي من الأكوان، فمن الطبيعي أن نجد أنفسنا في أحد الأكوان التي تصادف أن توفرت فيها الظروف الملائمة لوجودنا.


بين حدود العلم وآفاق الخيال


​يقف علم الفلك والفيزياء اليوم عند الحافة الفاصلة بين الحقائق المعملية والتأملات الفلسفية. إن اكتشاف الأغلفة الجوية حول الكواكب الصخريّة البعيدة يمثل حقيقة علمية صلّبة تقربنا من فهم بيئتنا الكونية، بينما تظل "الأكوان المتعددة" أفقاً نظرياً ساطعاُ يذكرنا بأن الفضاء قد يكون أكبر وأعقد بكثير مما نتخيل.

​وكما يُردد دائماً في أروقة مراكز الأبحاث الدولية: ليس أجمل ما في العلم أنه يمتلك جميع الإجابات... بل أنه لا يتوقف أبداً عن طرح الأسئلة.

​ سؤال للقرّاء:

​إذا تمكن العلم يوماً من إثبات وجود أكوان أخرى وإرسال إشارة واحدة عبر حدودها... ما هو أول سؤال تتمنى معرفة إجابته؟ شاركونا آراءكم في التعليقات!

#نقاش_دوت_نت 



التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11878
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.