من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

استنزاف المعلم حتى الانهيار.. تعليم بلا إمكانات ومحاسبة بلا رحمة

سامية سيد تكتب....
 استنزاف المعلم حتى الانهيار.. تعليم بلا إمكانات ومحاسبة بلا رحمة


المعلم تحت مقصلة الأعباء.. في طاحونة التكليفات.. من يحمي من يصنع الأجيال؟



- هل المطلوب من المعلم أن يشرح أم يرضي اللجان؟

- اتركوا المعلم يعلم.. كفى خنقًا للرسالة بسكاكين المتابعة والتفتيش!
- مأساة المعلم.. حين تتراكم المسؤوليات 

لم تعد معاناة المعلم تقتصر على ضعف الإمكانات داخل الفصول أو تدني الأجور مقارنة بحجم رسالته، بل أصبحت هناك منظومة كاملة من الأعباء اليومية التي تستهلك وقته وجهده وطاقته النفسية، حتى بات المعلم مطالبًا بأداء عشرات المهام في وقت لا يكفي لإنجاز مهمة واحدة على الوجه الأكمل.
من حقنا أن نتساءل: كيف نطالب المعلم بتقديم تعليم جيد، بينما نحاصره بكل هذه المسؤوليات الإدارية والورقية، ونتركه في مواجهة أعداد كبيرة من الطلاب دون توفير الدعم الكافي؟
المعلم الذي يدخل الفصل ليشرح درسًا، أصبح مطالبًا قبل ذلك وبعده بتصحيح كراسات وواجبات وامتحانات، ومتابعة مستويات الطلاب، وتسجيل الدرجات، واستيفاء الدفاتر والسجلات، ودفاتر التحضير والغياب، وإعداد الخطط العلاجية، ومتابعة الطلاب الضعاف، والاهتمام بالحالات التي تحتاج إلى رعاية خاصة، إلى جانب متابعة الطلاب المرضى ومراعاة ظروفهم، والتواصل مع أولياء الأمور، وتنفيذ التعليمات الإدارية المتلاحقة.
والمفارقة المؤلمة أن بعض المعلمين أصبحوا لا يجدون الوقت الكافي لشرح الدرس نفسه؛ لأن عليهم أولًا استيفاء الأوراق المطلوبة، وكأن العملية التعليمية أصبحت تُقاس بعدد الأوراق المكتملة لا بمقدار ما وصل إلى عقل الطالب من معرفة.
لقد تحولت بعض المتابعات واللجان إلى ضغط دائم على المعلم، وكأن سكينًا موضوعة على رقبته، فلا يكاد ينتهي من سجل حتى يُطلب منه آخر، ولا يكاد يستوفي ملفًا حتى تظهر تعليمات جديدة. وفي النهاية، يُحاسب على نقص ورقة، بينما لا يجد من يحاسبه على ضياع وقت الحصة أو تراجع قدرة الطالب على التعلم بسبب غياب الإمكانات.
والأكثر قسوة أن هناك معلمًا مسؤولًا عن أربعة فصول أو أكثر، يتعامل مع عشرات الطلاب في كل فصل، ويُطلب منه أن يعرف مستوى كل طالب، ويحدد نقاط ضعفه، ويتابع تحصيله، ويصحح أعماله، ويقدم له الدعم المناسب. فكيف يستطيع معلم واحد أن يؤدي كل ذلك بكفاءة، بينما لا يجد وقتًا كافيًا حتى لالتقاط أنفاسه؟
إن الطالب الضعيف يحتاج إلى متابعة فردية، والطالب الذي يعاني من صعوبات في التعلم يحتاج إلى خطة تناسب قدراته، والطالب المريض يحتاج إلى مراعاة ظروفه، وكل ذلك مسؤوليات تربوية وإنسانية لا يجوز تجاهلها. لكن من الذي يتابع المعلم نفسه؟ ومن يراعي طاقته البشرية وحدود قدرته على الاحتمال؟
ماذا يحدث في الدول الأخرى؟
عندما ننظر إلى تجارب الدول الأخرى في التعليم، نجد أن هناك اهتمامًا بتوزيع الأعباء وتوفير الموارد البشرية المساندة للمعلم، وليس تحميله وحده كل تفاصيل العملية التعليمية.
فوفقًا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لعام 2024، يبلغ متوسط عدد الطلاب في الفصل بالمرحلة الابتدائية في دول المنظمة نحو 21 طالبًا، وفي المرحلة الإعدادية نحو 23 طالبًا، بينما يصل متوسط عدد الطلاب لكل معلم إلى 14 في الابتدائي و13 في الإعدادي. وهي أرقام توضح الفارق في كثافة الفصول والموارد البشرية بين أنظمة تعليمية مختلفة. OECD +1
كما تشير المنظمة إلى أهمية الاستعانة بالمعلمين المساعدين ضمن الخيارات التي تلجأ إليها بعض الأنظمة التعليمية لتوزيع الموارد وتخفيف الأعباء. OECD
وفي بعض الأنظمة التعليمية، مثل النظام البريطاني، توجد وظائف مساندة داخل المدارس، من بينها المساعدون التعليميون الذين يساهمون في دعم الطلاب ومساندة المعلمين في الأنشطة التعليمية، بما يسمح للمعلم بالتركيز بصورة أكبر على التدريس.
وهذا لا يعني أن المعلم في الخارج لا يعاني من ضغوط أو أعمال تصحيح وإدارة، فكل الأنظمة لديها تحدياتها، لكن الفارق أن هناك محاولات لتنظيم العمل وتوفير كوادر مساعدة، بدلًا من ترك المعلم يواجه كل شيء بمفرده.
 أين نقابة المعلمين؟ وأين صوت المعلم؟
إن المطالبة بحقوق المعلم ليست رفاهية، وليست محاولة للتهرب من المسؤولية، بل هي دفاع عن جودة التعليم ومستقبل الأجيال.
نحن لا نطالب بإعفاء المعلم من واجباته، ولا نرفض المتابعة أو المحاسبة، بل نطالب بأن تكون هناك عدالة في توزيع المسؤوليات، وأن تتناسب التكليفات مع الوقت والإمكانات المتاحة.
نطالب بتقليل كثافة الفصول، وتحديد عدد مناسب من الفصول التي يتولاها المعلم، وتوفير مساعدين للمهام الإدارية والتنظيمية، وتخفيف السجلات الورقية، وميكنة الأعمال التي يمكن إنجازها إلكترونيًا، وتخصيص وقت حقيقي داخل اليوم الدراسي للتصحيح والمتابعة والشرح.
ونطالب أيضًا بمراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، وتوفير أخصائيين ومعلمين مساعدين لدعم الطلاب الضعاف وذوي الاحتياجات التعليمية، بدلًا من مطالبة معلم واحد بتحمل مسؤولية عشرات الحالات المختلفة إلى جانب واجباته الأساسية.
أما نقابة المعلمين، فمن حقنا أن نسألها: أين دورها في الدفاع عن المعلم؟ أين صوتها عندما تتضاعف الأعباء وتزداد التكليفات؟ أين تحركاتها للمطالبة بتحسين بيئة العمل وتوفير الحماية المهنية والاجتماعية للمعلمين؟

المعلم ليس ماكينة تعمل بلا توقف، وليس موظفًا مهمته استيفاء الأوراق وإرضاء اللجان، وليس مسؤولًا وحده عن إصلاح كل أوجه القصور في المنظومة التعليمية.
المعلم إنسان له طاقة محدودة، وله أسرة ومسؤوليات وحياة، ويحتاج إلى التقدير والاحترام والراحة النفسية حتى يستطيع أن يمنح طلابه علمًا واهتمامًا.
لا يمكن أن نطالب المعلم بأن يصنع أجيالًا مبدعة، بينما نحاصره بالدفاتر والسجلات والتقارير والمتابعات، ولا نترك له الوقت الكافي ليشرح ويفهم ويناقش ويكتشف مواهب طلابه.

كفاكم تحميلًا للمعلم فوق طاقته، فليس من العدل أن نحاسبه على نتائج منظومة لم نوفر له أدوات نجاحها.
إن إصلاح التعليم يبدأ من احترام المعلم، وتوفير بيئة عمل آدمية له، وتخفيف الأعباء التي تسرق وقته من رسالته الأساسية.

فإذا انشغل المعلم بإرضاء اللجان على حساب الشرح، فمن الذي سيعلّم أبناءنا؟
وإذا استُنزفت طاقة المعلم في الأوراق، فمن الذي سيبني العقول؟

كرامة المعلم ليست مطلبًا فئويًا، بل قضية وطن ومستقبل أجيال.
#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11890
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.