من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الأول : أخر فجر الخريف

عادل التوني
الفصل الأول : أخر فجر الخريف

 

كان خريف الإسكندرية يأتي دائمًا برائحة مختلفة. لم يكن أحد في تلك الأزقة الضيقة بحي مينا البصل يستطيع وصف تلك الرائحة بدقة.

مزيجٌ من ملح البحر، ورطوبة الجدران القديمة، ودخان عربات الصباح، ورائحة الخبز الخارج للتو من الفرن القريب، رائحةٌ تتسلل إلى البيوت من نوافذ خشبية لم تُغلق بإحكام، وتستقر فوق الأدوات القديمة، وفي الملابس المعلقة، وبين ثنيات البطاطين التي تخرجها النساء من الصناديق استعدادًا لليالي الباردة.


.... بيت إبراهيم ونوال واحدًا من تلك البيوت التي تبدو من الخارج أضيق مما تحتمل، لكنها من الداخل تعرف كيف تخبئ حياة كاملة.

غرفتان، ومطبخ صغير، وحمام بالكاد يتسع لشخص، وباب خشبي أكلت الرطوبة أطرافه حتى صار يحتاج إلى دفعة من اليد كي يغلق.

في الغرفة الأولى ينام إبراهيم ونوال.

وفي الثانية تتراص الأطفال الأربعة.

خالد في العاشرة، وسمية في الثامنة، ويوسف في السادسة، وصفاء التي لم تتم عامها الرابع.

كلما رأى إبراهيم الأطفال يزدحمون في الغرفة قال لنوال: 

سيكبروا يا نوال، ويسيبوا لنا البيت واسع. 

فتضحك: ـ واسع علينا إحنا ولا عليهم؟ 

ثم ينظر إلى خالد: ـ ده هيبني لنا بيت كبير.  

- خالد: وأنا فعلًا هعمله. 

وتسأل سمية: ـ وأنا؟ 

ـ أنتِ تبقي اللي أنتِ عايزاه

ـ أنا عايزه أبقى مُدرسة. 

ـ يبقى هاتكوني مُدرسة. 

كان يوسف يقاطعهم من فوق فراشه: ـ وأنا؟ 

فيضحك إبراهيم: ـ أنت؟ هتفضل مشاغب حتى وأنت راجل. 

فتَعترض نوال: ـ سيبه، يمكن يطلع مهندس. 

أما صفاء، فكانت تندس في حضنه بلا سؤال، فيضمها إليه ويقول: ـ دي هتفضل صغيرة. 

فترد نوال: ـ ما تتمناش. الصغيرة بتكبر أسرع مما تتخيل. 

إبراهيم ينظر إلى أطفاله جميعًا، ثم يقول: ـ المهم تكبروا وأنتوا معانا.

كانت الجملة تمر عادية ولم تكن نوال تعرف أن بعض الجمل لا نفهم وزنها إلا بعد أن يصبح صاحبها ذكرى. 


في فجر يوم خريفي بارد، استيقظت نوال على صوت الريح تضرب النافذة مدت يدها

إلى جوارها لم تجد إبراهيم.

تذكرت كالعادة أنه خرج إلى الورشة القريبة من الميناء.

قبل أن يغادر كان قد قال لها، وهي نصف نائمة:

  - نامي يا نوال، لسه بدري. 

ـ خلي بالك من نفسك. 

ـ حاضر يا أم العيال. 

أغمضت عينيها من جديد. لكن نومها لم يكتمل. نهضت وأشعلت المصباح. وجدت خالدًا نائمًا وقد انكشف عنه الغطاء، فغطته. رأت سمية تحتضن دميتها. وكان يوسف قد وضع قدمه فوق صفاء، فأبعدتها عنه. ابتسمت. ثم دخلت المطبخ وأعدت الشاي. سمعت طرقًا على الباب. طرقتان. ثم ثالثة. مسحت يديها في طرف جلبابها، وفتحت. كان أبو رامي يقف أمامها، ومعه رجل لا تعرفه. لم يتكلم الرجلان. لكن وجه أبي رامي جعل قلبها يسبقها إلى شيء لم تعرفه بعد. 

ـ إبراهيم فين؟ 

ظل ساكتًا. 

تقدمت خطوة. ـ إبراهيم حصل له حاجة؟ 

خفض أبو رامي رأسه. 

ـ يا أم خالد... كانت عينا الرجل قد قالتا كل شيء قبل أن يقول لسانه. 

إبراهيم عمل حادثة يا أم خالد. 

تعلقت الكلمات في رأسها. ـ فين؟ 

ـ في مستشفى العمال في كرموز. 

ـ هو عايش؟ 

لم يجب. شعرت ببرودة تسري في أطرافها. 

ـ خدني له. 

ـ يا أم خالد... 

رفعت صوتها: ـ خدني له. 

استيقظ الأطفال. ظهر خالد عند الباب. 

ـ في إيه؟

لكن نوال لم تستطع أن تشرح، وذهبوا جميعًا.

في الطريق إلى المستشفى، جلست بجوار أبي رامي، والأطفال في الخلف.

كان الصباح لم يكتمل بعد.

المحال نصف مغلقة.

السماء رمادية، والبحر قريبًا من الطريق.

نوال تنظر أمامها لم تلتفت ناحية البحر.

كانت تخشى، لسبب لم تفهمه، أن تسمع صوت إبراهيم إذا رأته.

في المستشفى، أسرعت إلى الداخل.

جاء طبيب شاب وسألها: 

ـ حضرتك زوجته؟ 

ـ أيوه. 

تردد لحظة. ثم قال بصوت منخفض: ـ أنا آسف... الإصابة كانت شديدة... حاولنا، لكن... لم تسمع بقية الجملة. 

ـ عايزة أشوفه حالاً. 

قادتهم الممرضة إلى غرفة صغيرة. كان إبراهيم مستلقيًا في هدوء لم تعرفه عنه. اقتربت منه. مدت يدها إلى جبينه. كان باردًا. 

ـ أبو خالد... لم يجب. أمسكت يده. 

إبراهيم. ثم أسرعت الكلمات منها: الأولاد منتظرينك. خالد... سمية... صفاء مش عايز. تاخدها في حضنك. ابتلعت ريقها. 

قوم يا أبو خالد.انكسرت الكلمة في حلقها. صمتت.

جلست إلى جواره.

لم يرتفع صوت بكائها.

فقط انحنت فوق يده وقبلتها وبكت.

دخل أبو رامي بعد لحظات، ورآها.

بعدها جهز أبو رامي الإجراءات..

  

بعد ساعات، امتلأ الزقاق بالناس.

نساء عند الباب، رجال في الخارج. 

كانت نوال ترتدي ثوبًا أسود، وتنظر إلى الباب كلما تحرك أحد.

كأن جزءًا منها ما زال ينتظر أن يدخل إبراهيم.

الجيران:

ـ ربنا يصبرك يا أم خالد. 

ـ أولادك أمانة. 

- اصبري واحتسبي يانوال.


بعد الدفن، اقترب عمها منها. كانت نوال واقفة بين أبنائها، شاردة بعينيها في التراب الذي وُوري تحته زوجها.


قال عمها بصوت خافت:

  - يا نوال، لازم نفكر بعقل.

  - نفكر في إيه؟

- في الأولاد.

  - مالهم ياعمي؟

- الأربعة كتير عليكِ يا نوال. خالد ييجي عندي، والباقي يتوزعوا على العيلة. كل واحد فينا يشيل واحد، وأنتِ تشوفي حياتك....


سكتت نوال...

نظرت إليه طويلًا، وكأنها تحاول أن تفهم كيف استطاع أن يتحدث عن أولادها بهذه السهولة، كأنهم حقائب يمكن توزيعها بين البيوت.

  - حياتي؟

  - إنتِ لسه صغيرة، ولسه قدامك العمر كله.

  - والعمر ده أعيشه من غير ولادي؟

- يا نوال، إحنا مش بنقول نرميهم. إحنا بنساعدك. الفقر صعب، وأنتِ مش هتقدري.

- اسمعني يا عمي... أنا ممكن أكون فقيرة، وممكن ما يبقاش عندي بيت كبير ولا فلوس تكفيني، لكن ولادي مش ناقصهم أم؛ من الآن أنا الأم والأب.

ما حدش هياخد واحد منهم مني، مافيش كلام في الموضوع دا أبدًا.

اقترب عمها منها:  

  وإنتِ هتعملي إيه لو الولاد جاعوا؟

رفعت نوال عينيها إليه، وقالت بثبات:

  أقطع من لحمي وأحطّه في طبقهم... لكن ما أمدّش إيدي لحد ياخدهم مني.

  أنا أمهم يا عمي. وطول ما أنا عايشة، محدش يفرقني عنهم.

أرجوك ياعمي.

لم يجد عمها ما يرد به عليها، فانصرف وسط المشيعين.

 

بعد ثلاثة أيام، جلست نوال أمام صندوقها الخشبي.

أخرجت ما بقي من الذهب (أساور- سلسلة - خاتمًا)

دخلت جارتها الحاجة أمينة. 

ـ بتعملي إيه؟ 

ـ هبيع الدهب. 

ـ كله؟ 

ـ كله. 

ـ سيبي حاجة لنفسك. 

ـ إبراهيم لو كان موجود، كان باعهم بنفسه. باعت كل شيء إلا خاتم الزواج. 

ثم عادت بالدقيق والزيت والطعام. وفي الطريق، توقفت هي والحاجة أمينة أمام ماكينة خياطة معروضة داخل محل صغير. ظلت تنظر إليها. كانت قد تعلمت الخياطة من أمها في طفولتها. 

وتذكرت جملة قالها إبراهيم لها مرة: ـ لو الدنيا ضاقت، الخياطة هتفتح لك باب.

وضعت يدها على زجاج المحل. ثم قالت لنفسها: ـ افتحيه يا نوال.


على الفورأهدتها الحاجة أمينة ماكينة خياطتها القديمة، وبدأت العمل عليها؛ ثم أرسلوا إليها بعض الجيران أقمشةً لتفصيل الملابس لذويهم بمعرفة الحاجة أمينة.

في الليل، حين ينام الأطفال، كانت تجلس و أمامها (فستان لامرأة – بيجاما لطفل – قطع أقمشة أخرى). 

تك... تك... تك.

بمرور الأيام صار صوت الماكينة جزءًا من البيت.


كانت تجلس سمية إلى جوارها.

ـ ماما، هو بابا مش هيرجع؟ 

توقفت يد نوال. ـ لا يا سمية. 

ـ يعني مش هنشوفه؟ 

ـ هنشوفه. 

ـ فين؟ 

ـ في حاجات كتير. ثم نظرت نحو خالد. 

ـ في خالد لما يضحك، وفيك لما تنجحي، وفي يوسف لما يبطل شقاوة، وفي صفاء لما تكبر. 

لم تفهم سمية تمامًا. لكنها أسندت رأسها إلى كتف أمها. وأكملت نوال الخياطة.


في مساء شتوي، أخذت الأطفال إلى البحر. جلس خالد يتابع السفن. كانت سمية تجمع الحصى. يوسف يركض على الرمل. وليان تمسك يد أمها. 

خالد: ـ بابا كان بيحب البحر؟ 

ـ أيوه. 

ـ كان بييجي هنا؟ 

ـ أحيانًا. 

ثم نظرت إلى الماء. تذكرت إبراهيم وهو يتحدث عن البحر كأنه يتحدث عن شخص يعرفه. 

البحر واسع. واللي يبص له يحس إن الدنيا لسه فيها مكان للأحلام. 

خالد: ـ وإحنا عندنا أحلام؟ 

نظرت نوال إلى أبنائها الأربعة. ـ إنكم تكبروا كويس. ولم تضف شيئًا.


في تلك الليلة، أخرجت دفترًا صغيرًا ذا غلاف أزرق فتحته

كتبت في الصفحة الأولى:

«بسم الله الرحمن الرحيم»

«اللهم احفظ أولادي، وكن لهم حين لا أكون بقربهم.»

كتبت لكل واحد منهم دعاءً خاصًا.

خالد – سمية – يوسف – صفاء.

وفي آخر الصفحة كتبت:

«اللهم لا ترني فيهم بأسًا يؤلمني»

ثم كتبت، وعيناها تذرفان الدموع:

«وأنا يا رب؟»

ظلت تنظر إلى الكلمات.

ثم أغلقت الدفتر.

 

مرت الشهور.

كانت نوال تستيقظ قبل الجميع.

تخيط وتغسل وتطبخ.

وتحسب كل جنيه مرتين.

كان جسدها يضعف، لكنها لم تكن تقول شيئًا.


بعد عام تقريبًا، كانت تسرح شعر خالد قبل ذهابه إلى المدرسة. 

ـ ماما، أنا كبرت؟. 

ـ لما تبطل تسألني هتكبر. 

ـ لما أكبر هجيب لك بيت كبير. 

ـ ليه؟ 

ـ عشان البيت ده صغير.  

لم يكن يعرف أن وعده الصغير سيبقى معها سنوات طويلة.

 

في ليلة عاصفة، وقفت نوال أمام الباب القديم. 

كان المزلاج لا يثبت جيدًا.

أسندت الباب بكرسي.

نظرت إلى الأطفال الأربعة.

كان خالد يقرأ، سمية تلعب، يوسف يبني شيئًا من قطع خشبية، وصفاء تلعب بدميتها.

 

لم تعرف لماذا شعرت بالخوف في تلك اللحظة.

كأنها كانت تنظر إلى الخارج، وتعرف أن العالم أكبر من قدرتها على حمايتهم

- يا رب، ما تخليش حد يخرج منهم من الباب ده وأنا عاجزة.

ثم بقيت واقفة للحظات، وعيناها معلقتان بالباب، وقلبها يخبرها أن شيئًا ما ليس على ما يرام. 


في آخر الليل، جلست أمام دفترها.

كتبت إلى إبراهيم:

- الأولاد بخير، خالد كبر سنة، يوسف لسه غاضب، سمية بتساعدني، وصفاء بتسأل عنك.

وأنا لسه هنا...

مش عارفة لأمتى، بس نفسي أشوفهم كبار.

أغلقت الدفتر.


وفي الخارج كان البحر يتحرك في الظلام.

لم تعرف نوال إلى أين يمضي.

لكنها هذه المرة لم تنظر إليه طويلًا.

أغلقت النافذة.

وعادت إلى الغرفة.

كان الأطفال نائمين.

جلست بينهم للحظة

مدت يدها إلى شعر صفاء، ثم إلى كتف يوسف

نظرت إلى خالد وسمية.

أطفأت المصباح.

احتنضتهم ونامت.

البيت ساكنًا.

أما الغد فينتظر خلف الباب.

ـــــــــــــــــــــــــ

بعده .....

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11892
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.