لماذا اعتقلت إيران"أبو حفص الموريتاني" .. الرجل الثاني في تنظيم القاعدة
أصدر القيادي الإسلامي الموريتاني محفوظ ولد الوالد، المعروف بـ"أبو حفص الموريتاني" (المفتي الشرعي السابق لتنظيم القاعدة)، مذكراته التي توثق حقبة حرجة من تاريخ الحركات الجهادية العابرة للحدود. وبينما تقدم المذكرات شهادة من داخل "المطبخ السياسي" لتنظيم القاعدة ومحطة السودان وأفغانستان، إلا أنها تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة السرديات التي يقدمها الرعيل الأول من قيادات التنظيمات المسلحة، وكيفية تعاطيهم مع التاريخ والأخطاء الاستراتيجية.
البدايات والقفز نحو "العالم الحديث": من المحظرة إلى جبال هندوكوش
تبدأ المذكرات بنشأة ولد الوالد في البادية الموريتانية وتلقيه العلم في "المحظرة" التقليدية، وهي بيئة معزولة عن صخب المدن وتعقيدات السياسة الحديثة.د لكن الانتقال المفاجئ للرجل وانخراطه في تيارات الإسلام السياسي(الإخوان المسلمين، التبليغ) ومن ثم السفر إلى أفغانستان عقب الانسحاب السوفيتي، يطرح أسئلة جوهرية حول مدى تأهيل قيادات تلك الجماعات لخوض غمار صراعات دولية معقدة دون وعي بمتغيرات الجيوسياسات العالمية.
غياب التخصص:
يفتقر المتصدرون لقضايا كبرى مثل قضايا العالم الإسلامي لأدوات التحليل العلمي الرصين، مشبهة من يهتم بالشخصيات والكيانات السياسية دون دراسة عميقة بمن يهتم بأسعار الذهب دون أن يكون خبيرًا اقتصاديًا.
التبعية المطلقة:
يقر ولد الوالد بأن التنظيم لم يكن حزباً سياسياً بمعايير العمل المؤسسي، بل "مزرعة خاصة" يختزل قرارها في شخص زعيمها أسامة بن لادن؛ حيث لا رأي يعلو على رأيه، رغم محاولة المؤلف لاحقاً تصوير نفسه قائدًا لخط إصلاحي فاشل استمر في التنظيم حتى قبيل الغزو الأمريكي.
السردية المفقودة:
دور الاستخبارات والصراع الدولي
تتطرق المذكرات إلى تفاصيل المرحلة الأفغانية والسودانية، وتنامي الولاء لزعيم التنظيم الذي أصدر أمره بنقل عائلات القيادات إلى جحيم المعارك بلا أفق استراتيجي واضح.
لكن المأخذ الرئيس على الكتاب هو التغافل التام عن العوامل الجيوسياسية الدولية الكبرى، مثل:
دور وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) والاستخبارات الباكستانية (ISI) في هندسة الصراع الأفغاني منذ حقبة السبعينيات.
تصوير الأحداث بمنظور "الكرامات والعناية الإلهية" البحتة، متجاهلاً التوازنات الدولية.
و كشف ضابط الاستخبارات الأمريكية المركزية السابق جون كيرياكو (John Kiriakou) في مقابلات موثقة ومطولة عن استراتيجية الإدارة الأمريكية ووكالات الاستخبارات عقب أحداث 11 سبتمبر 2001؛ حيث عمدت الاستخبارات إلى ترك الحدود مع باكستان مفتوحة عمداً لتسهيل مراقبة ورصد واعتقال عناصر القاعدة الفارين أحياء، وهو التحليل الأمني الهيكلي الذي تغيب عنه إشارات الكتاب الذي يكتفي بإرجاع النجاة لسلوكيات شخصية وبلاغة أدبية.
التناقضات الفكرية والالتفاف على المسؤولية
يثير تقديم الشيخ الحسن ولد الددو للمذكرات تساؤلات حول السلوكيات المزدوجة لبعض الرموز الدينية؛ فبينما يُحسب الددو على التيار القريب من مدارس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتصدر عنه فتاوى متباينة تاريخياً تجاه التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، جاءت تقريظات الكتاب لتمنح ولد الوالد صفة "العالم العامل".
وتبرز التناقضات أيضاً في أسلوب المؤلف نفسه:
ازدواجية نقد المخالفين:
يشكو ولد الوالد في مذكراته من كتب ألفت ضد "العصبية الحزبية" مثل كتاب "الحصاد المر"، متكئاً على إخفاء أسماء مؤلفيها أو خصومه، بينما كان هو نفسه المفتي والرجل الثاني في تنظيم تعرض لنقد بنيوي عميق.
الهروب من النقد الذاتي:
رغم اعترافه بأخطاء أيديولوجية وتنظيمية جسيمة، إلا أن الصفحات تغرق في القصائد، والرثاء، والاستشهادات التراثية من أدبيات المحظرة، وتضفي "الذكاء السياسي" الفردي على آليات التعامل مع قضايا مصيرية.
المحطة الإيرانية: الوعد المنكوث وعقدة "العمامة"
تروي المذكرات مرحلة اللجوء إلى إيران إثر السقوط الأفغاني، حيث يصور ولد الوالد عقده اتفاقاً شفهياً مع السلطات الإيرانية لتسهيل دخول مئات العائلات من نساء وأطفال المطلوبين على أساس وعود رسمية بالأمان.
لكن الواقع انتهى إلى وقوع قيادات القاعدة وعائلاتهم في قبضة الأمن الإيراني وخضوعهم للإقامة الجبرية وسجنهم في معتقلات سرية لأكثر من عقد من الزمن (10 سنوات).
عبر الكاتب عن صدمته من نكث الإيرانيين لوعودهم، وكأنّه كان ينتظر معاملة تفضيلية لمرجعيته الدينية و"عمامته"، في قراءة تعكس قصوراً واضحاً في فهم الطبيعة البراغماتية للسياسات الإقليمية الإيرانية.
ختاما
إن مذكرات محفوظ ولد الوالد (أبو حفص الموريتاني) تشكل وثيقة هامة من زاوية "شهادة الشاهد"، لكنها تبدو في مجملها محاولة لإعادة كتابة التاريخ الشخصي وتمجيد الذات أكثر من كونها نقداً موضوعياً أو مراجعة فكرية عميقة لتجربة دموية أودت بحياة الآلاف وتركت آثاراً مدمرة على العالم الإسلامي والعلاقات الدولية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك