من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الإيمان التقني بوصفه ديانةً بديلة: قراءة في الغريزة الدينية ومظاهر «التأليه» الحديث للتكنولوجيا

خالد بيومي
الإيمان التقني بوصفه ديانةً بديلة: قراءة في الغريزة الدينية ومظاهر «التأليه» الحديث للتكنولوجيا


 


والبشر الذين عظمت عندهم علوم الحساب والفيزياء والتكنولوجيا والهندسة وجعلوا العبقرية محصورة في هذه العلوم إذا رأوا شيئا يتفوق عليهم فيها بمراحل عظيمة فكيف ستكون نظرتهم إليه؟


سيبهرهم سيعظمونه سيتعلقون به ثم ماذا بعد التعظيم؟


إذا رأى الإنسان مخلوقا أو نظاما يظنه أذكى منه بمليون مرة ويملك من المعرفة والسرعة والقدرة ما لا يملك هو شيئا قريبا منه فماذا سيظن فيه؟


وهنا يظهر باب أخطر


فقد يرى الناس في بعض قدرات الشياطين والمردة والعفاريت شيئا لم يعرفوه من قبل ثم يظنون أنهم أمام إله أو قوة فوق البشر


ومن هنا يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي في تصورهم من مجرد أداة إلى شيء يقدسونه ويعظمونه ويعبدونه


ومع هذا كله يمكن أن يصبح وسيلة للتحكم في الدول والجيوش والأنظمة


وتخرج الروبوتات وتنتشر التكنولوجيا

ويعاد تشكيل حياة الناس ويظهر دين جديد ممزوج بالأديان والإلحاد ويهيأ العالم لقبول قائد لهذا الدين


الدجال


فإبليس لا يظهر للناس على صورته التي هو عليها ولذلك يكون هناك من يتجسد للناس ويظهر لهم في صورة يقبلونها ويعظمونها


ثم انظروا إلى صيحات الباحثين أنفسهم


أوقفوا هذه البرامج أوقفوا هذا التطور

لقد تجاوز الأمر حدود السيطرة قد تقتلنا هذه التقنية قد تدمر العالم قد تتحكم في الدول


كل جهة تنظر إلى الأخرى وتقول


إذا أوقفت أنا وحدي وتركت غيري يتقدم فسوف يتفوق علي


فتقول دولة إن الأخرى تملك هذه التقنية

وتقول الأخرى الكلام نفسه


وهكذا تستمر المسابقة والكل يركض

 والكل يخاف والكل يريد أن يسبق الآخر


حتى يصبح العالم كله أسيرا لهذا السباق


ثم هناك مشكلة أخرى الوظائف


يقول الباحثون إن هذه الأنظمة والروبوتات يمكن أن تقوم بأعمال البشر في مجالات واسعة وبسرعة ودقة هائلة


ولهذا بدأت الشركات تستبدل بعض الموظفين بالآلات والبرامج والروبوتات


ولم يعد الأمر مقتصرا على المصانع


بل دخل التعليم والشركات والاقتصاد

والخدمات وغيرها


وصارت تظهر نماذج من الروبوتات التي تشبه البشر وتتحدث مثلهم وتقوم بأدوار المعلمين وغيرهم


فإذا استمر هذا المسار فما الذي يبقى للإنسان؟


إذا فقد الناس وظائفهم كلها فمن أين يعيشون؟


ستضطر الدول إلى إعطائهم الأموال ليجلسوا في بيوتهم


لكن هل سيكون ذلك مجانا؟


هنا يبدأ باب آخر من الاستعباد


أن يصبح الإنسان معتمدا على النظام في طعامه وماله وحركته وحياته كلها


ثم يأتي الحديث عن الرقاقات التي يمكن أن تزرع في الأيدي أو الأدمغة وعن وسائل التحكم عن بعد


ويصبح الإنسان كالآلة يصدر إليها الأمر فتتحرك وتمنع عنها الإشارة فتتوقف


وهنا نحن أمام أشياء خطيرة جدا


إما أن تستخدم هذه التقنيات في السيطرة على البشر وإما أن تستخدم في إشعال الحروب والفتن وإما أن تكون وسيلة لتدمير الحضارة والبشرية


والأمر ليس بعيدا كما يظن البعض


إنهم أنفسهم يتحدثون عن سرعة التطور وعن صعوبة السيطرة عليه وعن الخوف من أن يتجاوز الإنسان


ونحن مقبلون على عالم تشتعل فيه الحروب من جهات متعددة


روسيا والناتو وأوروبا وأمريكا وحلفاؤها وإيران وغيرها من الصراعات التي يمكن أن تتسع في أي لحظة


والأرض إذا اشتعلت فيها الحروب الكبرى فإنها لا تترك الناس كما كانوا


بل تفتح أبواب الفتن والخراب والدمار


وأنا لا أقول هذا باعتباري قناة إخبارية ولا باعتباري مصدرا سياسيا


وإنما أقول هذا حتى يستيقظ الإنسان


يا أخي الموحد أنت نائم كل هذا يحدث حولك وأنت لم تفعل شيئا ولا فكرت فيما أنت مقدم عليه ولا فكرت في دينك ولا في توحيدك ولا في الفتن التي قد تأتي عليك وأنت لا تشعر


فاستعد


وفكر في الغذاء والماء فكر في التخزين

فكر في مكان تأوي إليه إذا اضطربت الأحوال


بل إن الحديث عن تخزين الغذاء والماء بدأ يظهر حتى في بعض الدول الأوروبية التي وجهت رسائل إلى شعوبها بهذا المعنى


والأغنياء وأصحاب الأموال والثقافات المختلفة بدأ بعضهم يبني الملاجئ المحصنة ويجهز القبو والمساكن تحت الأرض وفي الأماكن المرتفعة والمحصنة


هؤلاء يخافون على دنياهم يخافون على أموالهم وعلى حياتهم وعلى بيوتهم


فكيف أنت؟

تناقش هذه المقالة فرضيةً مفادها أن الإيمان المعاصر بقدرة التكنولوجيا على حلّ مشكلات الوجود الإنساني كلها يؤدي وظيفةً نفسيةً تماثل وظيفة المعتقدات الدينية التقليدية. وتنطلق من تفسير الغريزة الدينية بوصفها نتاجًا للوعي بالذات، ثم تتتبع تحوّل موضوع الرجاء من الخلاص الأخروي إلى الخلود التقني، متخذةً من ممارسة «التجميد الحيوي» (Cryonics) مثالًا. وتخلص إلى أن تغيّر موضوع الإيمان لا يعني تغيّر بنيته.

أولًا: الغريزة الدينية والوعي بالذات

لم يُعرف في التاريخ الأنثروبولوجي مجتمعٌ بلا منظومة معتقدات دينية. ويكاد هذا الأمر يكون محل إجماع في الدراسات المقارنة للأديان، ولذلك رأى بعض الباحثين أن الدين مكوّن بنيوي في الاجتماع البشري، وليس عارضًا تاريخيًا.

وتتعدد التفسيرات المقترحة لاختصاص الإنسان بهذه النزعة:

التفسير الظاهراتي: عدّ فريدريش شلايرماخر الدين «شعورًا بالتبعية المطلقة» (Über die Religion, 1799)، وجعل رودولف أوتو جوهر التجربة الدينية إدراكًا لـ«المقدّس» بوصفه سرًّا مرهِبًا وجاذبًا في آن واحد (Das Heilige, 1917). والتجربتان تتأسسان على إحساس الإنسان بتناهيه أمام ما يفوقه.

التفسير الاجتماعي: رأى إميل دوركايم أن المقدّس تمثيلٌ رمزي للجماعة نفسها، وأن الدين يؤدي وظيفة التماسك الاجتماعي (Les formes élémentaires de la vie religieuse, 1912).

التفسير المعرفي-التطوري: يذهب بسكال بوييه (Religion Explained, 2001) وجاستن باريت (Why Would Anyone Believe in God?, 2004) إلى أن المعتقدات الدينية ثمرة ثانوية لآليات إدراكية، كالميل إلى افتراض فاعلٍ قصدي وراء الظواهر.

ويلتقي ذلك مع الفرضية التي تنطلق منها المقالة. فالوعي بالذات يستلزم إدراك الحدّ الفاصل بين الأنا والعالم، ويستتبع إدراك ضآلة الذات أمام اتساع الوجود وإدراك قصور المعرفة عنه. وبهذا المعنى تكون الغريزة الدينية اعترافًا بالتناهي، وتتجه العبادة نحو اللغز الأكبر الذي يتجاوز الإنسان، وإن اختلفت مسمّياته وصوره.

ثانيًا: العلمنة وانتقال موضوع الرجاء

وصف ماكس فيبر الحداثة بأنها «نزعُ السحر عن العالم» (Entzauberung der Welt) في محاضرته «العلم بوصفه حرفة» (1917/1919)، أي أن التفسير العقلاني يحلّ محلّ التفسير الغيبي. غير أن الحاجة النفسية التي كان الدين يلبّيها لم تختفِ، وإنما انتقلت إلى موضوعات جديدة. وقد قدّم فرويد في مستقبل وهم (1927) تفسيرًا مبكرًا لهذا المنحى، فعدّ العقائد الدينية «أوهامًا» تنبع من الرغبات الإنسانية الأعمق، وفي مقدمتها الحاجة إلى الحماية والخلاص من الفناء.

وجاء دافيد ف. نوبل بأطروحة أكثر مباشرة في كتابه The Religion of Technology (1997)، إذ بيّن أن الحلم التقني الغربي، من الذكاء الاصطناعي إلى استكشاف الفضاء، ظلّ منذ قرون منسوجًا بدوافع لاهوتية تتطلع إلى استعادة الكمال الإنساني وتجاوز الفناء. ويصل يوفال نوح هراري إلى نتيجة قريبة في Homo Deus (2015)، حين يرى أن مشروع الحداثة يتجه إلى جعل الخلود والسعادة والقدرة غاياتٍ تقنية بعد أن كانت وعودًا دينية.

ثالثًا: التجميد الحيوي نموذجًا

يوضح التجميد الحيوي هذا الانتقال بجلاء. فقد نشر روبرت إتنغر كتابه The Prospect of Immortality (1962) مقترحًا حفظ الأجساد بالتبريد الشديد انتظارًا لطبٍّ مستقبلي قادر على إحيائها. وجُمِّد أول إنسان، جيمس بدفورد، عام 1967، وتأسست مؤسسة ألكور (Alcor) عام 1972 ومعهد التجميد الحيوي (Cryonics Institute) عام 1976.

وتعطي الأرقام فكرة عن حجم الظاهرة. فبحسب الإحصاءات المنشورة على موقع ألكور، بلغ عدد أعضائها 1,397 وعدد مرضاها المحفوظين 189 في 31 ديسمبر 2021، وكان عددهم 175 في نهاية 2019. وتشير تقارير صحفية حديثة إلى أن العدد تجاوز 250 مريضًا في ألكور ونحو 270 في معهد التجميد الحيوي. وتقدّر مصادر ثانوية أن المحفوظين في العالم بين 500 و700 شخص، وأن آلافًا غيرهم سجّلوا للحفظ بعد الوفاة.

وتلفت المسألة الانتباه من جهة المقارنة. فالمؤسسات نفسها تقرّ بأن أحدًا لا يملك اليوم وسيلة لإحياء المحفوظين، وتصوغ موقفها بعبارة الثقة في إمكان الإحياء مستقبلًا. فالإيمان هنا قائم على وعدٍ غير مُختبَر، والتسجيل يقترن بدفع مبالغ كبيرة، إذ تبلغ كلفة الحفظ في معهد التجميد الحيوي نحو 28 ألف دولار في أدنى حالاتها، وتصل في ألكور إلى مبالغ أعلى بكثير.

رابعًا: ملاحظة على المقارنة بالمصريين القدماء

المصريون القدماء لم يكونوا يدفنون عبيدهم أحياءً مع الموتى في الحالات العامة. وقد عُرف دفن الأتباع مع الملوك في الأسرات الأولى (مقابر أبيدوس) ثم انقرض هذا الطقس مبكرًا. أما الممارسة المعتادة فهي وضع تماثيل «الأوشابتي» (Shabti)، وهي تماثيل صغيرة تنوب عن المتوفى في أعمال الحقل في العالم الآخر، وقد وردت في الفصل السادس من «كتاب الموتى». وهذا يعزز المقارنة ولا يضعفها: فالعبيد الحقيقيون استُبدلت بهم رموز، تمامًا كما استُبدل الخلاص الأخروي بوعد علمي مؤجَّل.

خامسًا: الأمل الزائف وحدود التحليل

تتمثل الإشكالية في أن الاتكال على التكنولوجيا لحلّ مشكلات الوجود كلها يُعفي الإنسان، نفسيًا، من بذل الجهد في الحاضر. فالمستقبل المثالي يُحال إلى طرفٍ آخر، هو العلم، بدل أن يُبنى بالفعل الجماعي الراهن. وهذا يشبه، في وظيفته النفسية، الخلاص المؤجل إلى عالم آخر.

ومع ذلك ينبغي الحذر من التعميم. فالإيمان بدور التكنولوجيا ليس كله إيمانًا غيبيًا، إذ أن كثيرًا من التقدم الطبي والتقني مستند إلى منهج تجريبي قابل للاختبار والدحض، بخلاف المعتقدات الدينية. ويكمن الفارق في الموقف الإبستمولوجي: هل يبقى الرجاء قابلًا للمراجعة في ضوء الدليل، أم يتحول إلى تسليم لا يقبل الاختبار؟ وعند هذا الحدّ يمكن الحديث عن «ديانة» حقيقية.

خاتمة

تدعم المعطيات المعروضة أن الغريزة الدينية، بوصفها استجابةً لوعي الإنسان بتناهيه، لم تضمر بتقدم العلم، وإنما أعادت توجيه موضوعها نحو الخلود التقني. ويعبّر التجميد الحيوي بوضوح عن هذا التحول، لأنه ممارسة طقسية تقوم على رجاءٍ لم يتحقق بعد. وتحتاج الفرضية إلى مزيد من البحث الميداني حول دوافع المسجّلين في هذه البرامج، لتمييز الاعتقاد الديني الكامن من الرهان العقلاني المحسوب.

المراجع

Barrett, J. L. (2004). Why Would Anyone Believe in God? AltaMira Press.

Boyer, P. (2001). Religion Explained. Basic Books.

Durkheim, É. (1912). Les formes élémentaires de la vie religieuse. Alcan.

Ettinger, R. (1962). The Prospect of Immortality. Doubleday.

Freud, S. (1927). Die Zukunft einer Illusion. Internationaler Psychoanalytischer Verlag.

Harari, Y. N. (2015). Homo Deus. Harvill Secker.

Noble, D. F. (1997). The Religion of Technology. Knopf.

Otto, R. (1917). Das Heilige. Trewendt & Granier.

Schleiermacher, F. (1799). Über die Religion. Unger.

Weber, M. (1919). Wissenschaft als Beruf. Duncker & Humblot.

Alcor Life Extension Foundation. Membership Statistics. alcor.org.

Cryonics Institute. Member Statistics. cryonics.org.


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11894
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.