من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​معركة النفط والنفوذ: لماذا تُعدّ «مأرب» الشريان الذي يحدد مستقبل اليمن؟

تقرير يكتبه خالد بيومي
​معركة النفط والنفوذ: لماذا تُعدّ «مأرب» الشريان الذي يحدد مستقبل اليمن؟


​تُمثّل محافظة مأرب اليوم الحصن الأخير للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في شمال البلاد، والعقدة الجغرافية والاقتصادية التي تتشابك عندها مصالح الأطراف المتصارعة. فالسيطرة على هذه المحافظة الصحراوية ذات التأريخ العريق لا تعني فقط تحولاً حاسماً في الخارطة العسكرية، بل تعني الامساك بمفاتيح "قلب الطاقة" اليمني، والتأثير المباشر على التوازنات الإقليمية ومسار التوصل إلى أي تسوية سياسية مستقبلية.

​1. شريان الطاقة:

مفاتيح الاقتصاد اليمني في مكان واحد

​تكتسب مأرب أهميتها الاستثنائية كونها تضم أهم البنى التحتية للطاقة والهيدروكربونات في اليمن، حيث تجمع بين الإنتاج، التكرير، المعالجة، والتوليد:

​قطاع 18 (حوض مأرب - الجوف): يُعد القلب النابض لإنتاج النفط والغاز، وتديره "شركة استكشاف وإنتاج النفط" (صافـر). يحتوي الحوض على احتياطيات ضخمة تُشكّل عماد الدخل القومي اليمني.

​مصفاة مأرب:

تُغطي جزءاً حيوياً من احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية (البنزين والديزل)، مما يُخفّف الفاتورة الاستيرادية الباهظة للحكومة شرعيّة المظهر.

​محطة مأرب الغازية: المحطة الأساسية لتوليد الطاقة الكهربائية التي كانت تُغذّي صنعاء وعدداً من المحافظات الرئيسية قبل اندلاع الصراع عبر خطوط النقل جهد 400 كيلو فولت.

​معمل معالجة الغاز ومعمل غاز الطهي (LPG):

المورد الرئيسي والإستراتيجي لأسطوانات الغاز المنزلي التي تعتمد عليها ملايين الأسر اليمنية في كافة المحافظات، بما فيها المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

​2. مكاسب الحوثيين:

أبعاد استراتيجية واقتصادية

​تُحلل المراكز الدولية المتخصصة، مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute) ومعهد الشرق الأوسط (MEI)، إصرار الجماعة الحوثية على إسقاط مأرب بناءً على عدة عوامل:

​الاستقلالية المالية والتمويل: السيطرة على حقول "صافـر" تمنح الحوثيين إيرادات نفطية وغازية مستدامة، مما يُنهي اعتمادهم الجزئي على الجبايات والواردات عبر ميناء الحديدة، وتوفير المشتقات النفطية للمناطق الخاضعة لسيطرتهم بأسعار مُنخفضة.

​الحسم العسكري وسقوط الشرعية في الشمال: تمثّل مأرب المقر العملياتي والرئيسي لوزارة الدفاع اليمنية والمنطقة العسكرية الثالثة. سقوطها يعني عمقاً استراتيجياً يُنهي وجود الحكومة الشرعية كقوة ميدانية في شمال اليمن، ويُطوق المحافظات النفطية المجاورة (شبوة وحضرموت).

​ورقة ضغط في المفاوضات الدولية: الامساك بمقاليد الطاقة في مأرب يمنح الجماعة موقفاً تفاوضياً أقوى أمام القوى الإقليمية والدولية في أي تسوية شاملة للنزاع.


​3. معضلة غاز الطبيعي المسال (LNG) والفرص المعطلة

​منذ إعلان حالة "القوة القاهرة" وتوقف صادرات الغاز الطبيعي المسال عبر أنبوب النقل الممتد من مأرب إلى بلحاف على البحر العربي عام 2015، خسر اليمن مليارات الدولارات من الإيرادات السنوية.

​ورغم هذا التعطيل، تشير تقارير اقتصادية دولية إلى فرص واعدة لتطوير موارد المحافظة:

​استغلال الغاز المصاحب (Associated Gas):

بدلاً من حرق الغاز المصاحب لإنتاج النفط، تبرز مشاريع استعادته لزيادة كفاءة توليد الكهرباء وتخفيض التلوث البيئي.

​توسعة الطاقة الغازية: تطوير محطة مأرب الغازية

(المرحلة الثانية) واستكمال خطوط النقل كفيل بحل أزمة عجز الطاقة الحاد في المحافظات المجاورة المحررة، ودعم قطاع الصناعة الخفيفة والمتوسطة.

​تلبية الطلب المحلي والتصدير التدريجي: إعادة تأهيل البنية التحتية يُمكن أن يُمهّد لإعادة تشغيل مشروع الغاز المسال في حال تحقق استقرار سياسي وضمانات أمنية دولية.

​4. البُعد الإنساني والديمغرافي: ثقل تعززه اللجوء


​وفقاً لتقارير المنظمة الدولية للمهاجرين (IOM) ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تحولت مأرب من محافظة صغيرة يقطنها نحو 400 ألف نسمة قبل عام 2015، إلى ملاذ آمن يستضيف أكثر من 2.2 مليون نازح فروا من جبهات القتال المختلفة.

​هذا التحول الديمغرافي يجعل من المحافظة مركزاً ثقيلاً يضم أكبر تجمع للنازحين في اليمن، وهو ما يجعل أي تصعيد عسكري جديد خطراً يهدد بكارثة إنسانية غير مسبوقة تضغط على منظومة الإغاثة الدولية.


جدير بالذكر  أن مأرب ليست مجرد جغرافية صحراوية أو خطوط مواجهة عسكرية؛ إنها القلب الاقتصادي والمحرك الأساسي للطاقة في اليمن. إن حسم معركة مأرب أو الوصول إلى اتفاق خاص يحيّد منشآتها الاقتصادية ويضمن توزيع ثرواتها بعدالة، يُعد المدخل الحقيقي لإصلاح منظومة الطاقة، وإنقاذ الاقتصاد اليمني المتهالك، ورسم ملامح الخارطة السياسية للبلاد في المراحل القادمة.

​#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11898
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.