من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الثاني : سنوات الجوع الصامت

عادل التوني
الفصل الثاني : سنوات الجوع الصامت


مرت السنوات، وتَعلّم بيت نوال أن يعيش بالقليل.

لم يعد الفقر شيئًا يطرق الباب من الخارج، بل أصبح جزءًا من حياتهم. صاروا يعرفون عدد الأرغفة التي تكفي حتى الصباح، ويصلحون الملابس القديمة بدل شراء غيرها، ويحسبون كل جنيه قبل أن ينفقوه.


مرت سنوات على وفاة إبراهيم، وكأنها مرت في يوم واحد.

نوال، بين حين وآخر، ترفع عينيها إلى صورته المعلّقة على الحائط.

فتراه كما تركته تمامًا؛ شابًا يبتسم، بوجهٍ لم تعرفه الأيام بعد، ولم تترك عليه يدها الثقيلة أثرًا.


أما هي... فقد كانت السنوات تعرف طريقها إليها جيدًا.

نحل وجهها، وظهرت حول عينيها خطوط صغيرة لم تكن هناك من قبل. أتعبت الخياطة والغسيل يديها، وصار التعب يسكن جسدها حتى في اللحظات التي تجلس فيها ساكنة

ومع ذلك، لم تكن تشعر بأنها كبرت.

كانت تشعر فقط بأنها أصبحت أثقل.

أثقل بما حملته وحدها، وبما أخفته عن أبنائها، وبكل خوفٍ نامت به واستيقظت عليه.


أما البيت، فلم يتغير كثيرًا.

ظل كما هو تقريبًا، لكن السنوات تركت بصمتها عليه أيضًا؛ تشققت جدرانه، وبقيت النافذة والباب يقاومان برد الشتاء بصعوبة، كأنهما، مثل نوال، يحاولان الصمود أكثر مما ينبغي.

مع ذلك، بقي البيت قائمًا.

مثل نوال.


صوت ماكينة الخياطة أكثر الأصوات حضورًا فيه. تعمل عليها ساعات طويلة، ثم تغسل ملابس بعض الجيران، وتخبز الكعك وتبيعه، وكل ما تكسبه تجمعه فوق بعضه، لتواجه به يومًا جديدًا.

كبر خالد، ولم يعد الطفل الذي كان يحلم بأن يشتري لأمه بيتًا كبيرًا.

ترك الدراسة قبل أن يكملها، وتنقل بين الأعمال البسيطة.

مرة في مخزن، ومرة في محل، ومرة في ورشة.

نعم كان يعمل، لكنه لم يكن راضيًا.

يرى أصدقاءه يتحدثون عن السفر، أو يعودون بأشياء أفضل، بينما هو يعود إلى الزقاق نفسه، والبيت نفسه، والحياة نفسها.

شعور دائم بأن الفقر لم يأخذ منه المال فقط، بل أخذ منه فرصة أن يكون شخصًا آخر

وأصبحت كلمة «هنا» تضايقه!

هنا في هذا البيت.

هنا في هذا الحي.

هنا في هذه الحياة.

كانت نوال تراه يتغير، لكنها لم تكن تعرف ماذا تفعل.

كانت تخشى أن تضغط عليه فينكسر، وتخشى أن تتركه فيبتعد.

لذلك اختارت الصمت.

 

أما سمية، فقد تمسكت بالتعليم.

ترى في الدراسة بابًا للخروج من حياة الفقر.

وعن كتبها فهي أغلى ما في البيت ، وكانت نوال تدبر ثمنها مهما كان الأمر صعبًا.

لكن سمية بدأت تتحمل مسؤوليات أكبر من سنها.

تطبخ أحيانًا، وتغسل، وتعتني بصفاء، وتساعد يوسف، وحين تعود نوال متأخرة تجد البيت مرتبًا والطعام جاهزًا.

لم تكن سمية تشكو.

بل كانت تشعر أحيانًا أن حلمها في أن تصبح مدرسة يبتعد كلما اضطرت إلى ترك كتابها لتساعد أمها.

ومع ذلك، كانت نوال مصُرة على أن تكمل ابنتها تعليمها.

فهي تريد أن يخرج واحد من أبنائها من هذه الدائرة. 


كبر يوسف، وكان أكثرهم غضبًا.

لم يكن يخفي غضبه مثل خالد، بل يتركه يظهر في صوته وتصرفاته.

كثير الخصام، سريع الانفعال، ويشعر أن الجميع يحصلون على شيء ليس لديه

بل يشعر أن أحدًا لا يفهمه.


خالد بدأ يأخذ مبالغ صغيرة من البيت دون إذن.

في البداية لم تكن نوال متأكدة، وكانت تراجع حساباتها مرة بعد أخرى، حتى أدركت أن المال ينقص بالفعل.

واجهته ذات يوم.

أنكر.

نظرت إليه طويلًا:  

  - اللي أخدته مش فلوس وبس... ده جزء من أكل البيت.

ضحك بعناد وخرج. 

بقيت نوال وحدها. 

لم تكن تخاف من المال الذي اختفى. 

كانت تخاف على ابنها.

 

صفاء، كانت أكثرهم هدوءًا.

مرض الربو يأتيها أحيانًا منذ طفولتها، وكانت نوال تجلس بجوارها حتى يهدأ تنفسها

لكن صفاء لم تكن تحب أن ترى الخوف في عيني أمها، فتعلمت أن تخفي تعبها

فإذا شعرت بضيق في صدرها تبتعد قليلًا، ثم تعود وكأن شيئًا لم يحدثكبر الأطفال، لكن كل واحد منهم بدأ يحمل شيئًا في داخله لا يعرف كيف يتحدث عنه..

 

في أحد الأيام عاد خالد من عمله غاضبًا.

بذريعة إن صاحب العمل لم يدفع له أجره كاملًا.

جلس أمام أمه:

  - أنا مش عايز أعيش كده.

عرفت نوال أن الأمر أكبر من مشكلة الأجر.

فهو يتحدث منذ شهور عن السفر.

هذه المرة شعرت أن الأمر أصبح قرارًا.

نوال:

  - السفر مش عيب يا خالد...لكن الهروب من المسؤولية مش سفر.

لم يرد.

رأت في عينيه شيئًا لم يطمئنها.

 

في الوقت نفسه، احتاجت سمية إلى مصاريف جديدة للدراسة.

كان المال قليلًا، والعمل قد ضعف، وبعض زبائن نوال توقفوا عن طلب الخياطة

فتحت نوال صندوقها.

لم تجد ما يكفي.

أخرجت ساعة قديمة كانت من إبراهيم.

ظلت تمسكها طويلًا.

تذكرت يوم أعطاها لها، وقال إنه لا يملك شيئًا غاليًا، لكنه أراد أن يكون لها شيء

يذكرها به يذكرها به. 

تلك الساعة آخر ما بقي لها من حياتها الأولى.

لكنها باعتها... للحاجة.

دفعت مصاريف سمية وعادت إلى البيت.

كانت سمية تنتظرها.

رأت يد أمها خالية.

لم تسأل.

فهمت.

في تلك الليلة فتحت كتابها، لكنها لم تستطع القراءة.

إبقنت أن تعليمها له ثمن تدفعه أمها من ذكرياتها.

 

نوال نفسها قد بدأت تشعر بتعب مستمر. 

دوخة، ألم في الظهر، وإرهاق لا ينتهي. 

لم تذهب إلى الطبيب.

وكانت حجتها بعد أن يستقر الحال.

 

زارتها الحاجة أمينة ذات مساء:

- تفكري في نفسك.

توقفت نوال عند الكلمة.

- نفسي؟

- لا يا أم خالد .. أين ذهب تفكيرك؟

متى كانت آخر مرة اشترت شيئًا لكِ؟

لم تجد جوابًا.

 

في إحدى الليالي عاد يوسف متأخرًا.

كانت نوال تنتظره على أحر من الجمر:

- أين كان.

 فأنكر

احتد الكلام بينهما، ثم قال فجأة:

  - البيت كله بيشوف خالد... وبيشوف سمية... وبيشوف صفاء... وأنا محدش شايفني.

سكتت نوال.

كانت كلماته أقسى من أي شجار:

سألت نفسها:

هل انشغلت بخالد لأنه الابن الأكبر؟

هل حملت سمية مسؤولية أكبر من عمرها؟

هل أخذ مرض صفاء مساحة أكبر من اهتمامها؟

وهل تركت يوسف وحده؟

في تلك الليلة لم تستطع النوم.

لم تعد تخاف من الفقر وحده.

أصبحت تخشى أن يذهب أحد أبنائها إلى طريق لا تستطيع إعادته منه.

 

في اليوم التالي عاد يوسف من المدرسة ومعه ورقة بسبب شجار.

نوال لم تضربه.   

لم تصرخ في وجهه.

قالت له فقط:

  - غضبك مش هيرجع أبوك، وكراهيتك للفقر مش هتخليك غني.

أمسكت يده وقالت:

 وإيه؟ - إنت محتاج تعرف إنت عايز تبقى مين

دخل يوسف غرفته وأغلق الباب.

ظلت نوال تحدث نفسها. 


أما خالد، فخرج في المساء إلى البحر.

وقف طويلًا أمام السفن البعيدة.

تذكر أباه.

تذكر وعده القديم بأن يبني لأمه بيتًا كبيرًا.

ثم نظر إلى يديه.

لا مال.

لا شهادة.

لا عمل ثابت.

ولا مستقبل واضح.

عندما عاد إلى البيت، وجد أمه نائمة فوق الكرسي، وبجوارها قطعة قماش لم تكمل خياطتها.

غطاها دون أن يوقظها.

وظل واقفًا أمامها طويلًا.

كان يشعر بالحب والغضب والذنب والرغبة في الرحيل في الوقت نفسه..

وفي داخله، كان القرار قد بدأ يكتمل.

 

بعد أيام، أخبر أمه أنه يريد السفر للخارج.

لم تجادله طويلًا.

نوال:

  - الدنيا بره مش أرحم من هنا.

لكنه كان قد حسم أمره.

كان يرى البحر طريقًا.

و كانت تراه خطرًا.

ولم يكن يعرف أن خوفها الحقيقي لم يكن من سفره، بل من فقده.

كانت قد فقدت إبراهيم مرة، ولم تكن مستعدة أن تعيش الخوف نفسه مع ابنها

لكنها لم تعرف كيف تقول ذلك.

فأخفت خوفها بالصمت.

وبدأ بينهما شرخ صغير.

 

في تلك الفترة، جلست نوال أمام دفترها، وراحت تحسب دخل البيت، وما عليه من ديون، ومصاريف الطعام والدواء والدراسة.

أما الملابس، فلم تضع لها رقمًا أصلًا؛ لم يكن في الميزانية مكان لشيء يمكن تأجيله.


ظلت عيناها تنتقلان بين الأرقام، وتعودان إليها من جديد، كأنها تأمل أن يتغير أحدها إذا نظرت إليه طويلًا.

للأسف الأرقام كانت أقسى من الكلام.

وضعت القلم إلى جوار الدفتر، وأسندت ظهرها إلى الكرسي. للحظة، شعرت أن كل ما تفعله لا يزيد عن محاولة امرأة أن تفرغ البحر بكوب صغير.

تعرف أن ما معها لا يكفي، وأن ما ينقصهم أكبر من قدرتها على تدبيره

ومع ذلك، لم تسمح لنفسها أن تقول: لا أستطيع.


مدّت يدها إلى القلم مرة أخرى.

فخلف كل رقم كان هناك واحد من أبنائها.

خلف مصاريف الطعام وجهٌ ينتظر أن يأكل.

خلف ثمن الدواء صدرٌ يحتاج أن يتنفس ويعالج.

وخلف مصاريف الدراسة حلمٌ صغير لا تريد له أن يموت قبل أن يكبر.


رفعت نوال عينيها عن الدفتر، وأخذت نفسًا بطيئًا.

ثم عادت إلى الحساب.

لم تكن تحاول أن تجعل الأرقام تتساوى.

لكن تحاول أن تجعل أبناءها يبقون بخير. 


جاء عرض زواج لسمية من رجل ميسور.

قالت الخاطبة إن الزواج سيؤمن لها حياة أفضل، وقد يساعد أمها أيضًا.

استمعت نوال.

كان العرض مغريًا من ناحية المال.

لكنها رفضت.

  - سمية هتكمل تعليمها. 

وحين سألتها سمية عن السبب، قالت:

  - الفقر صعب... بس مش سبب نبيع العمر.

وضعت سمية رأسها على كتف أمها.

شعرت نوال أن تعب السنوات لم يذهب هباءً.

 

صفاء تراقب كل شيء.

تعرف أن خالد يريد السفر، وأن يوسف غاضب، وأن سمية تساعد أمها، وأن أمها تخفي تعبها

لكنها لم تعرف كيف تساعد. 

فبدأت تصمت.

صارت تخفي حاجاتها كما تخفي تعبها. 

وكانت نوال تحمل الجميع، حتى بدأت تشعر أن الأمومة تحولت داخلها إلى مسؤولية لا تنتهي. 


ناموا الأولاد، أخرجت صورة إبراهيم ودفترها.

وكتبت:

إبراهيم ...

أخاف أن أفقدهم واحدًا واحدًا.

خالد يريد السفر.

يوسف يغضب من كلامي.

سمية تكبر قبل أوانها..

صفاء تخفي تعبها..

وأنا لا أعرف هل أفعل الصواب أم أخطئ في حقهم؟  

بكت قليلًا.

 أغلقت الدفتر. 

 

في تلك الليلة، سمعت صوت الباب المتهالك.

فتحت عينيها.

كان خالد يخرج.

لم يحمل حقيبة كبيرة، فقط حقيبة صغيرة.

وقفت نوال عند الباب.

رأته يتوقف لحظة، ويرفع رأسه نحو البيت، كأنه ينتظر أن تناديه. 

لكنها لم تفعل. 

مضى في الزقاق حتى اختفى. 

وضعت نوال يدها على الباب. 

كان مفتوحًا. 

وشعرت لأول مرة أن البيت الذي قضت عمرها تحاول أن تحميه قد يصبح في الصباح ناقصًا أحد أبنائها.

 

عادت نوال إلى دفترها وكتبت:

أخاف أن أكون فقدت خالد قبل أن يرحل يا أبو خالد.

وفي الخارج، كان البحر يتحرك في الظلام، كأنه يخفي شيئًا لا تعرفه.

أغلقت نوال الدفتر، وبقيت للحظات تنظر إلى النافذة.


ولم تكن نوال تعرف أن الفراق القادم لن يكون مجرد سفر.

بل سيكون أول جرح حقيقي في قلب الأسرة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11902
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.