فرنسا على صفيح ساخن.. احتجاجات طلابية عارمة تتزامن مع انكماش اقتصادي وتآكل في الهوية
تشهد الساحة الفرنسية في الآونة الأخيرة حراكاً متصاعداً يضع الحكومة في مواجهة أزمات مزدوجة؛ فعلى الجبهة التعليمية، أعلن الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا (UNEF) عن تنظيم احتجاجات واسعة جديدة في مختلف أنحاء البلاد يومي 3 و5 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والتعليمية.
ومن ناحيةأخرى، تلقى الاقتصاد الفرنسي ضربات موجعة أظهرتها مؤشرات مديري المشتريات النهائية، متزامنةً مع نقاشات عميقة تطال جذور الهوية السياسية والفكرية للخطاب الوطني السائد في أوروبا.
"يوم أسود" في الجامعات وشوارع ملتهبة
في بيان رسمي نشره الاتحاد عبر منصة "إكس"، أكد الطلاب غضبهم الشديد من تعنت الحكومة وتجاهلها لمطالبهم المستمرة منذ منتصف أيلول/سبتمبر الماضي، حيث انطلقت شرارة الاحتجاجات حينها على يد طلاب المرحلة الثانوية في ضواحي باريس لتحسين أوضاع المدارس.
وجاء في بيان الاتحاد الطلابي:
"الحكومة لا تريد الاستماع إلينا؟ سنعلن يوم 3 تشرين الثاني/نوفمبر يوماً أسود في الجامعات، وندعو الجميع إلى المشاركة في الاجتماعات العامة وإغلاق الجامعات. وفي 5 تشرين الثاني/نوفمبر، لنتظاهر بأعداد كبيرة في الشوارع". يعكس هذا التصعيد حالة الاحتقان المتزايدة في قطاع الشباب والتعليم، وسط مخاوف حكومية من اتساع رقعة المظاهرات لتشمل قطاعات نقيه وعمالية أخرى.
أزمة اقتصادية خانقة: انكماش الصناعة الفرنسية والإيطالية
ولا تتوقف أزمات فرنسا عند حدود الجامعات، بل تمتد لتلقي بظلالها على القطاع الإنتاجي؛ إذ أظهرت مؤشرات مديري المشتريات النهائية عودة القطاع الصناعي في كل من فرنسا وإيطاليا إلى دائرة "الانكماش"، في وقت تواجه فيه الشركات ضغوطاً متزايدة ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع سلاسل الإمداد.
تراجع المؤشر الفرنسي:
انخفض مؤشر الصناعة الفرنسي إلى 49.5 نقط
ة مقارنة بـ 50.6 نقطة في أيلول/سبتمبر، مسجلاً تراجعاً في الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة منذ تموز/يوليو 2025.
تقليص العمالة:
أشار المسح الفرنسي إلى لجوء الشركات إلى تقليص المشتريات والعمالة بشكل واضح بسبب ضعف الطلب العام.
تفاوت أوروبي:
تظهر البيانات تفاوتاً لافتاً في أداء الصناعة الأوروبية، فبينما واصلت ألمانيا مسار التوسع، عادت فرنسا وإيطاليا إلى الانكماش، مما ينذر بتداعيات اجتماعية واقتصادية مقلقة.
"الوطنية الاستعمارية" وفصل الوطن عن أهله
في خضم هذه الأزمات المتراكمة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة الخطاب المهيمن الذي يُعرف أحياناً في الأدبيات النقدية بـ "الوطنية الاستعمارية".
يرى المحللون أن هذا النمط الأيديولوجي يسعى باستمرار إلى فصل الوطن عن تاريخه الحي وعن امتداداته الحضارية، مختزلاً إياه في شعارات مجردة ومفرغة من محتواها لصالح أيديولوجيات حديثة.
وتتجلى هذه الظاهرة في عدة ممارسات فكرية وسياسية، أبرزها:
القطيعة مع التاريخ الحي:
عبر ادعاء الانتماء إلى حضارات منقرضة أو أجداد اندثروا لا حول لهم ولا قوة في الاعتراض، لجعلهم واجهة لأفكار حديثة لا صلة لهم بها.
عزل الوطن عن عمقه الحضاري: الترويج لفكرة "الوطن أولاً وأخيرًا" كجزيرة منعزلة بلا امتدادات، متجاهلين أن المصلحة الحقيقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعمق الحضاري والأمني المشترك (على غرار ما يدركه حتى التيار المحافظ في الولايات المتحدة تجاه الغرب).
تقديس الكيان المجرد (الصنم):
تحويل الوطن من إطار إنساني يخدم أهله ويحمي حقوقهم وكرامتهم، إلى "صنم" متعالٍ يُطلب الخضوع له حتى على حساب المجتمع، ليتسنى لـ "كهنة المعبد" احتكار الحديث باسمه.
خلاصة المشهد
تضع هذه المعطيات المركبة – بين حراك طلابي يحتدم في شوارع باريس والجامعات، وانكماش صناعي يهدد الاستقرار الاقتصادي، ونقاشات فكرية عميقة حول أزمة الهوية والانتماء – الدولة الفرنسية أمام مفترق طرق حقيقي يتطلب مقاربات جديدة تعالج الأزمات البنيوية والاقتصادية والاجتماعية من جذورها.
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك