"الجانب المظلم": وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية تكشف كيف دعمت واشنطن انقلابات عسكرية في أمريكا اللاتينية
قاعدة سوتو كانو في الهندوراس، وهي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في أمريكا اللاتينية.
وتلعب دورًا رئيسيًا في استراتيجية واشنطن العسكرية لأمريكا الوسطى، وكانت عاملاً رئيسيًا وراء انقلاب عام 2009 لإسقاط الرفيق مانويل زيلايا الذي خطط لطردها.
على مدى نحو ثلاثة عقود، شهدت أمريكا اللاتينية موجة انقلابات عسكرية أطاحت بحكومات منتخبة. ومع رفع السرية تدريجياً عن الأرشيف الأمريكي، صار بالإمكان تتبع الدور الذي لعبته واشنطن، من التخطيط السري إلى الدعم اللوجستي والسياسي. يعرض هذا التقرير أبرز الحالات الموثقة بمصادر دولية وأمريكية رسمية.
غواتيمالا 1954: النموذج الأول
كانت عملية "PBSuccess" عملية أمريكية سرية انتهت بالإطاحة بالرئيس المنتخب جاكوبو أربينز، الذي طبّق إصلاحاً زراعياً مسّ مصالح شركة الفواكه المتحدة (يونايتد فروت). وكانت الشركة تسيطر على 42% من أراضي البلاد وعلى أكثر من ثلثي صادراتها.
الوثائق التي رُفعت عنها السرية تؤكد التخطيط الأمريكي. فقد أعاد المؤرخون في وكالة المخابرات المركزية اكتشاف سجلات العملية عام 1995 ضمن برنامج "الانفتاح"، وأتاحتها الوكالة، ومنها دراسة داخلية عن الاغتيالات وتاريخ سري للعملية. وتشير مصادر إلى تداخل المصالح، إذ كان وزير الخارجية جون فوستر دالاس عضواً في مكتب المحاماة الذي مثّل الشركة، وكان شقيقه آلن دالاس، مدير الوكالة، عضواً في مجلس إدارتها.
وللإنصاف، ينازع بعض المؤرخين في الدافع الاقتصادي. فكتاب نيك كولاثر، وهو مؤرخ سابق في الوكالة، يرى أن الوكالة لم تتحرك بالضرورة لخدمة الشركة، وإن تضررت الشركة فعلاً من الإصلاح الزراعي. والمتفق عليه أن العملية أمريكية، وأن الخلاف يدور حول الدافع الحاكم لها.
البرازيل 1964: خطة طوارئ بغطاء بحري
كشفت برقيات السفير الأمريكي لينكولن غوردون المرفوعة عنها السرية أن السفير ضغط على واشنطن للتدخل المباشر لدعم المتآمرين بقيادة الجنرال كاستيلو برانكو. وأرسلت الخارجية إليه قائمة بقرارات البيت الأبيض لتقديم المساعدة للقوى المناهضة لجولارت، منها ناقلات وقود من أروبا إلى ميناء سانتوس وأسلحة جُمعت في نيوجيرسي.

ولم تُستخدم هذه الاستعدادات فعلياً، إذ أُلغيت العملية قبل أن يكون لها أثر مادي في البرازيل، وظهرت للعلن بين 1976 و1977 بعد رفع السرية. غير أن واشنطن اعترفت سريعاً بالمجلس العسكري الجديد. كما تُظهر تسجيلات البيت الأبيض أن إدارة كينيدي ناقشت منذ 1962 تهيئة "مناخ انقلاب" والإطاحة بجولارت إن لم يغيّر نهجه.
تشيلي 1973: أكثر الملفات توثيقاً
وثّقت لجنة تشرش في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1975 أن التدخل الأمريكي السري في تشيلي بين 1963 و1973 كان واسعاً ومتواصلاً. وفي سبتمبر 1970، بعد أيام من فوز سلفادور أليندي، اجتمعت لجنة الأربعين برئاسة هنري كيسنجر لبحث الملف. وانبثقت عن ذلك خطة سرية تُعرف باسم "المسار الثاني".
وتكشف الوثائق أن المسار الثاني استمر حتى اغتيال قائد الجيش الدستوري الجنرال رينيه شنايدر في 22 أكتوبر 1970، ما ينقض ادعاء كيسنجر بأنه أُوقف قبل ذلك بأسبوع. وقد أفرجت الولايات المتحدة عن نحو 16 ألف وثيقة سرية عن تشيلي، بينها سجلات استندت إليها لجنة تشرش.
وطبقا لما نشره أرشيف الأمن القومي، دفع كيسنجر نيكسون إلى إسقاط أليندي لأن "تأثير النموذج" قد يكون خطيراً، أي خشية أن يغري نجاح تجربته دولاً أخرى.
الأرجنتين 1976: ضوء أخضر للقمع
كشفت وثيقة رُفعت عنها السرية عام 2004 أن كيسنجر قال لوزير خارجية الأرجنتين في يونيو 1976، وسط انتهاكات واسعة: "إن كان لا بد من فعل أشياء، فافعلوها بسرعة". وقد تعهّد أوباما بالكشف عن سجلات عسكرية واستخباراتية متعلقة بـ"الحرب القذرة" (1976–1983)، ورحّبت هيومن رايتس ووتش بالخطوة. (gwu) (hrw)
حالات متفاوتة التوثيق
هندوراس 2009 وفنزويلا 2002:
الإطاحة بالرئيسين زيلايا (2009) وفشل الانقلاب على تشافيز (2002) حدثا فعلاً، لكن مدى الدور الأمريكي محل جدل، وواشنطن تنفي التورط.
بنما 1989 والدومينيكان 1965: غزوان عسكريان أمريكيان مباشران، لا انقلابان.
نيكاراغوا والسلفادور (الثمانينيات):
دعم أمريكي لقوات الكونترا ولحكومة السلفادور العسكرية في حروب أهلية، لا انقلابات بالمعنى الدقيق.
كوبا 1952: انقلاب باتيستا داخلي، ولا يوجد دليل موثق على تدبير أمريكي له، وإن أيدت واشنطن نظامه لاحقاً.
ختاما
تؤكد الوثائق المرفوعة عنها السرية أن واشنطن لعبت أدواراً مباشرة في غواتيمالا وتشيلي، ودوراً داعماً ومخططاً له في البرازيل، وغطاءً سياسياً لقمع الأرجنتين.
وتتراوح الدوافع الموثقة بين مكافحة الشيوعية في الحرب الباردة، وحماية مصالح الشركات الأمريكية، والخشية من "عدوى" النماذج المستقلة.
وتبقى الصورة الأدق في التمييز بين درجات التورط، لا في حشدها تحت عنوان واحد.
المصادر
أرشيف الأمن القومي الأمريكي (جامعة جورج واشنطن)، وتقرير لجنة تشرش 1975 "العمل السري في تشيلي 1963–1973"، ودراسة CIA الداخلية "Operation PBSUCCESS" (كولاثر، 1994)، ووثائق وزارة الخارجية الأمريكية (FRUS 1964–68)، وهيومن رايتس ووتش، وMercoPress، وكتاب "Bitter Fruit" لشليزنغر وكينزر (1982).
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك