موت الحب وسكينة الجسد: قراءة نقدية في جماليات لوحة «باولو وفرانشيسكا» لغايتانو بريفاتي (1887)
يتناول هذا المقال لوحة «باولو وفرانشيسكا» (نحو 1887) للرسام الإيطالي غايتانو بريفاتي، بوصفها نصًا بصريًا يعيد قراءة النشيد الخامس من «الجحيم» في «الكوميديا الإلهية». ويرى أن اللوحة تنقل مركز الثقل من أخلاقية العقاب إلى حميمية الفقد، وتوظّف الضوء واللون والمعالجة السطحية للتعبير عن الانفعال بدل الاكتفاء بوصف الحدث.
أولًا: السياق الفني والأدبي
ينتمي بريفاتي (1852–1920) إلى جيل انتقل من حركة «سكابيلياتورا» (Scapigliatura) الميلانية إلى التقسيمية (Divisionism) والرمزية. وتشير المصادر إلى أن صلته بدوائر السكابيلياتي دفعته إلى موضوعات تاريخية ذات طابع درامي وخيالي، منها «كليوباترا» و«باولو وفرانشيسكا» (1887، أكاديمية كارارا في برغامو). ولهذا فاللوحة لا تُعدّ عملًا تقسيميًا مكتمل النضج، وإنما محطة انتقالية تجمع بين رخاوة السكابيلياتي وبداية الاهتمام بالضوء بوصفه حاملًا للانفعال.
أما المصدر الأدبي فهو لقاء دانتي بفرانشيسكا دا ريميني في الحلقة الثانية من الجحيم، حيث تروي كيف قادتها قراءة مشتركة عن لانسلوت إلى قُبلة قاتلة، وكيف كان الكتاب «وسيطًا» للغواية. وقد عالج الموضوع فنانون كثر في القرن التاسع عشر، حتى إن أحد الدارسين يصف الحكاية بأنها صُوّرت مرارًا في ذلك القرن، وأعاد بريفاتي نفسه تناولها بعد عقدين تقريبًا (1909) في صيغة مختلفة جذريًا تُظهر الروحين وهما تُحمَلان على ريح الجحيم العاتية.
ثانيًا: اختيار اللحظة
الجديد في هذه اللوحة هو اللحظة المختارة. فالتقليد التصويري الرومانسي (من آري شيفر إلى روسيتي) مال إلى لحظة القُبلة أو لحظة الدوّامة الجهنمية. أما بريفاتي فاختار «ما بعد» الحدث: جسدان هامدان على فراش. ويلاحظ منظّمو معرض قصر الماس (Palazzo dei Diamanti) في فيرارا أن الرسام في نسخة 1887 تخلّى عن الوسائط المشهدية والديكورية، فلا مسرح ولا عاصفة ولا عقاب، بل مشهد مختزل يضع المأساة في الجسد نفسه.
ثالثًا: قراءة التفصيلة المرفقة
1. ثنائية الكتلة والضوء
على اليسار كتلة معتمة تكاد تلتهم تفاصيلها، هي الجسد الداكن المنحني الذي يُقرأ على أنه باولو، يختلط فيه الرأس بالظل، ويبقى الوجه شبه محجوب. في المقابل يتألق رداء فرانشيسكا بدرجات الرمادي الفضي والأزرق الباهت. هذه المقابلة بين الظلمة والإضاءة الباردة تجعل الموت حاضرًا بصريًا قبل أن يُدرَك سرديًا.
2. الإيماءة
تنحني الرأس إلى الخلف وينفرج الفم قليلًا وتستند الخصلات الحمراء إلى وسادة. وتعمل الوضعية على تأويلين متجاورين: نوم وادع، وجسد مفارَق. وهذا الالتباس هو جوهر الأثر الجمالي، إذ لا يُفرض على المتلقي حزن صريح بل يُترك له أن يكتشفه.
3. الثنائية الحرارية
يتجاور الفضي البارد في الرداء مع الأوكر الدافئ للفراش، فيمنح الدفء المشهد بقايا حياة وجسدانية، بينما يضفي البرودة طابع الفقد. وبذلك يصبح اللون ناقلًا للانفعال لا مجرد وصف للأشياء.
4. المعالجة السطحية
تتفكك الأقمشة إلى ضربات فرشاة متراكبة تُذيب الحدود الفاصلة بين الأجسام، فتغدو الطيّات أقرب إلى حركة ضوئية منها إلى بنية مادية. وهذا ما يقصده النقاد حين يقولون إن بريفاتي حاول نقل العلاقات الانفعالية عبر مؤثرات حيّة من الضوء واللون.
5. الهيئة اللامركزية
يأتي رأس فرانشيسكا في أعلى اليمين، وتنفتح الكتل في الأسفل نحو يد داكنة في الركن السفلي الأيسر، فيتحرك النظر قطريًا بين الوجه واليد، ويتحول الجسد إلى مسار بصري يقود المتلقي من الحياة (الوجه) إلى الفناء (اليد).
رابعًا: الدلالة الجمالية الأعمق
تعمل اللوحة على ثلاثة مستويات:
مستوى أخلاقي:
تُعلّق الحكم الدانتي. فلا ذنب ظاهرًا ولا جحيم، والمتلقي يواجه الفقد لا العقاب.
مستوى نفسي:
يعتمد على الإيحاء لا التصريح، وهو ما يتسق مع الحس الرمزي الذي سيتبلور لاحقًا في أعمال بريفاتي.
مستوى تقني:
يمهّد لتحوّل الضوء إلى مادة تعبيرية أساسية، وهو ما يراه الدارسون قاعدة لتجربته التقسيمية اللاحقة، إذ وُصف بأنه أول من حاول التعبير عن انفعال جديد بالضوء ذاته، بعيدًا عن الإنتاج التقليدي للأشكال والألوان.
خاتمة
لا تحتفي «باولو وفرانشيسكا» ببطولة العاشقين ولا تدينهما، بل تقدّم لحظة صمت تحدّق في ما بعد الحب. وقد أفلح بريفاتي في تحويل نص أدبي كبير إلى تجربة بصرية قوامها التقابل بين الظلمة والنور والدفء والبرودة، وهي تجربة أعادت تعريف علاقة التصوير بالانفعال في الفن الإيطالي الحديث.
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك