الخريطة الضريبية في أوروبا: عندما تتشابك "مفارقات التهرب" مع غضب الأغنياء
تستمر السياسات الضريبية وعدالة توزيع الثروات في إثارة جدل حاد داخل القارة العجوز، لا سيما في ظل التقارير والخرائط البيانية المتكررة التي تسلط الضوء على تباينات صارخة بين الدول الأوروبية. وقد أثارت خريطة حديثة للتهرب الضريبي في أوروبا موجة من الدهشة والاستغراب، خصوصاً لاكتشاف تصنيف ألمانيا في مرتبة مرتفعة على مؤشرات التهرب، مقابل مستويات متدنية ظاهرياً في أوروبا الشرقية.
هذا التناقض الظاهري يعيد طرح السؤال الأزلي على الطاولة الأوروبية: هل تعكس الأرقام الواقع الفعلي، أم أن هناك شبكات معقدة من التهرب وهندسة الشركات تخفي خلفها كواليس اقتصادية أعمق؟
مفارقة ألمانيا وأوروبا الشرقية: قراءة في أرقام "العدالة الضريبية"
تؤكد تقارير صادرة عن شبكة العدالة الضريبية (Tax Justice Network) ومرصد الضرائب الأوروبي (EU Tax Observatory) أن تمركزات رؤوس الأنشطة الاقتصادية الكبرى وضخامة الناتج المحلي الإجمالي في دول مثل ألمانيا يجعلها هدفاً رئيسياً لعمليات تحويل الأرباح واستغلال الثغرات القانونية من قِبل الشركات متعددة الجنسيات.
و بالرغم من صرامة النظام المالي الألماني، فإن حجم الاقتصاد الضخم والتكامل التجاري الواسع يجعلانها عرضة لعمليات معقدة من تآكل وعاء الضريبة (Base Erosion and Profit Shifting).
ومن ناحيةأخرى، يبدو الانخفاض المسجل في دول أوروبا الشرقية على خرائط التهرب الضريبي مضللاً في كثير من الأحيان؛ فهو لا يعبر بالضرورة عن كفاءة مطلقة أو نزاهة تامة، بل يعود جزئياً إلى:
صغر حجم الأسواق المالية مقارنة بغرب القارة.
الاعتماد على الأنظمة البسيطة أو المعدلات الضريبية المنخفضة أصلاً لجذب الاستثمارات، مما يقلل من حافز "التهرب المعقد" المعتمد في المراكز المالية الكبرى.
محدودية البيانات المفصلة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الغربي التي تنشر تدقيقات ومسوحاً مالية أكثر دقة وشفافية.
"الفجوة الكبرى": من يدفع الفاتورة؟
تشير البيانات الصادرة عن مؤسسات أوروبية ودولية إلى ما يُعرف بـ "الفجوة الضريبية العظمى في أوروبا" (Europe's Great Tax Divide). وتكشف الأرقام الموثقة أن الشريحة الأغنى (أعلى 1% من سكان الاتحاد الأوروبي) تستحوذ على نحو ربع صافي الثروة الشخصية، بينما لا تملك النصف الأسترالي أو الأدنى من السكان سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 3%.
وتتعمق الأزمة عندما تُظهر التقارير أن الحكومات الأوروبية تعتمد بشكل مفرط على الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة VAT) وضرائب الدخل التي يتحملها المواطن العادي، بينما تتمتع الشركات الكبرى والأثرياء بقدرة أكبر على التملص أو الاستفادة من الثغرات العابرة للحدود.
هل يريد الأوروبيون "فرض ضرائب على الأغنياء"؟
في سياق متصل، تكتسب خريطة أخرى تفاعلية نُشرت عبر منصة Brilliant Maps (مستندة إلى استطلاعات رأي واسعة النطاق حول رغبة الشارع الأوروبي في تشديد الضرائب على الأثرياء) أبعاداً سياسية واجتماعية بالغة الأهمية.
تُظهر البيانات تفاوتات ملحوظة في نسب تأكيد المواطنين عبر الدول الأوروبية على ضرورة "فرض ضرائب إضافية على الأغنياء لتقليص الهوة الطبقية".
هناك دول مثل إسبانيا ودول أخرى في جنوب وغرب أوروبا، ترتفع نسب المطالبة الشعبية بمستويات قياسية (تتجاوز 85% في بعض المؤشرات)، بدعم من تداعيات أزمات غلاء المعيشة وأزمة السكن وتنامي الشعور بأن النظام الاقتصادي الحالي ينحاز لصالح الأغنياء على حساب الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل.
نحو إصلاحات هيكلية مؤجلة
تضغط الحركات الاجتماعية والأحزاب التقدمية في البرلمان الأوروبي باستمرار نحو تبني "ضريبة ثروة أوروبية موحدة" تستهدف أصحاب المليارات والأصول الضخمة، مشيرة إلى أن مئات الآلاف من المواطنين الأوروبيين وقعوا على عريضة تطالب بتغيير هذا المسار.
لكن تبقى الإرادة السياسية عائقاً رئيسياً؛ إذ تتخوف بعض الحكومات من هروب رؤوس الأموال إلى ملاذات ضريبية خارج أو داخل الاتحاد الأوروبي (مثل سويسرا أو دول أخرى ذات أنظمة تفضيلية)، مما يجعل ملف "التهرب الضريبي والعدالة الاجتماعية" واحداً من أكثر الملفات سخونة على أجندة صناع القرار في بروكسل وبرلين وسائر عواصم القارة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك