من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​اختراق استراتيجي أو انزلاق نحو المجهول؟ قراءة تحليلية في أحدث ملفات «فورن أفيرز» حول أزمات الممرات المائية، تقنيات «F-35»، معضلة الخليج، وتخبط واشنطن مع الصين

القاهرة: خالد بيومي
​اختراق استراتيجي أو انزلاق نحو المجهول؟ قراءة تحليلية في أحدث ملفات «فورن أفيرز» حول أزمات الممرات المائية، تقنيات «F-35»، معضلة الخليج، وتخبط واشنطن مع الصين


​تطرح الإصدارات الأخيرة لمجلة (فورن أفيرز - Foreign Affairs) العريقة سلسلة من المقالات التحليلية التي تقرع جرس الإنذار إزاء مسارات السياسة الخارجية الأمريكية وتداعياتها الميدانية؛ بدءاً من هشاشة الأمن البحري في الشرق الأوسط، مروراً بالثغرات التقنية الحساسة التي تهدد التفوق العسكري الأمريكي لصالح بكين، وصولاً إلى الدور المحوري للوساطة الخليجية، وخطورة "الاستعراض السياسي" في إدارة المنافسة الجيوسياسية المحتدمة مع الصين.

​يقدم هذا التقرير قراءة موسعة ومترابطة لهذه الملفات الأربعة، مزودة بمعلومات توثيقية من تقارير أمنية ودولية.


​1. الأمن البحري: استراتيجيات "الترقيع" الفاشلة في باب المندب وهرمز


​في قراءتها لتحصين الممرات المائية الحيوية، تؤكد الباحثة دانا ستراول (مديرة الأبحاث وزميلة معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والمسؤولة السابقة بوزارة الدفاع الأمريكية) أن المهام الدفاعية قصيرة الأجل وغير المنسقة التي تقوم على أساس المشاركات التطوعية، تعجز تماماً عن تحقيق ردع طويل الأجل ضد التهديدات الإيرانية وحلفائها من جماعة "أنصار الله" في اليمن.  

​قصور الحلول المجزأة: تشير "ستراول" إلى أن هذه العمليات المنفصلة لا تقدم سوى مسكنات مؤقتة لشركات الشحن البحري، بل وتمنح طهران وحلفاءها شعوراً بأن هذه الحلول "ناقصة وقابلة للاتساخ والاستنزاف"، نظراً لغياب الموارد الكافية، وبطء التكيف مع تقنيات التهديد المتغيرة (مثل المسيّرات والصواريخ الموجهة)، فضلاً عن غياب منصة فورية لتبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي بين مضيقي هرمز وباب المندب.

​خلفية ميدانية: يأتي هذا التحليل على وقع أزمات معقدة شهدت تراجعاً حاداً في حركة الملاحة العالمية واستنزافاً للقطع البحرية الغربية المتواجدة في المنطقة، وسط تحذيرات متكررة من أن استمرار الاعتماد على "إستراتيجيات بحرية ترقيعية" يكرر أخطاء الماضي بفادحة.


​2. الأمن التقني: الثغرة الكارثية وتسرب تكنولوجيا "F-35" إلى الصين


​في حادثة أمنية بالغة الخطورة، يسلط الكُتَّاب سام مولنز، مايكل مايو، ونيل كانيشيرو الضوء على ثغرة لوجستية واستخباراتية تمثلت في ضياع شحنة عسكرية حساسة مخصصة لقطع غيار مقاتلات الشبح متطورة الصنع من طراز (F-35).

​رحلة الخطأ إلى هونغ كونغ: كانت الشحنة في طريقها من أستراليا إلى الولايات المتحدة في أيار (مايو) الماضي، لكنها انحرفت ووصلت إلى أراضي هونغ كونغ الخاضعة للسيطرة الصينية، لتستقر مكونات حراسة مشددة -بما في ذلك مظلة قمرة القيادة وباب حجرة الأسلحة- في أيدي بكين.

​الباب الخلفي للتفوق: يوضح التحليل أن هذا الاختراق يمنح الصناعات العسكرية الصينية "طفرة مجانية" في تكنولوجيا التخفي (Stealth)، التي تقتصر حتى الآن على الترسانة الأمريكية وحلفائها المقربين، مما يفتح باباً واسعاً أمام لجان الكونغرس للتحقيق في الإخفاقات البيروقراطية (مثل الأخطاء في البريد الإلكتروني وتتبع الشحن) التي أدت إلى هذه الفضيحة الأمنية.


​3. الدبلوماسية الإقليمية: هل يكون الخليج مفتاح السلام مع إيران؟


​ضمن رؤية تبحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه للطرفين الأمريكي والإيراني، يطرح الباحثان أليسون ماينور ونيت سوانسون مقاربة قائمة على الوساطة الخليجية الفعالة لإنهاء حالة المواجهة المفتوحة.

​ملامح صفقة الإنقاذ: تقضي المبادرة بأن تتوسط دول الخليج العربية وتدير اتفاقاً لوقف إطلاق النار، يتضمن حزمة "إنعاش اقتصادي" تقدمها دول الخليج لطهران، في مقابل التزام الأخيرة برفع القيود والعراقيل عن الملاحة في مضيق هرمز. وبدوره، يلتزم الجانب الأمريكي برفع الحصار الاقتصادي الشامل المفروض على طهران.

​ضمانات الردع المتبادل: يشترط التحليل أن يتزامن ذلك مع تعهدات خليجية صارمة لردع الإدارة الأمريكية عن شن أي ضربات مستقبلية ضد إيران، مما يضمن استدامة الاتفاق ويحول دون انهياره عند أول اختبار ميداني. وتقترب هذه الرؤية من حركية الدبلوماسية الإقليمية (مثل المبادرات الدبلوماسية السابقة التي قادتها أطراف إقليمية ودولية كپاکستان والصين لتهدئة الجبهات).  


​4. معضلة واشنطن وبكين: خطر "التشدد الاستعراضي" وتآكل الردع


​في مقال نقدي حاد لسياسات الإدارة الأمريكية الحالية، يحذر رايان هاس وعلي واين من تداعيات الأداء السياسي للرئيس دونالد ترمب في منتصف ولايته الثانية على مكانة أمريكا الاستراتيجية في آسيا.  

​تقويض الردع الإقليمي: يرى الكاتبان أن نهج ترمب القائم على "العلاقات الشخصية الدافئة" مع الزعيم الصيني شي جينبينغ، مع تهميش التوترات الهيكلية طويلة الأمد، قد أضعف قدرة واشنطن على كبح النفوذ الصيني. علاوة على ذلك، أدت الهجمات المتكررة لترمب على الحلفاء والشركاء التقليديين في المنطقة إلى دفعهم لسياسة "التحوط الاستراتيجي" والتقارب مع بكين التي نجحت في تسويق نفسها كقوة كبرى "أكثر استقراراً وموثوقية" مقارنة بالإدارة الأمريكية المتقلبة.

​خارطة طريق للكونغرس: يختتم التحليل بالتأكيد على أن على الكونغرس والإدارة المقبلة تغليب "الكفاءة الاستراتيجية الثابتة" على "التشدد الاستعراضي" وأساليب تسجيل النقاط السياسية الرخيصة، محذرين من أن الحنين إلى استراتيجيات عفا عليها الزمن يتجاهل الصعود الحقيقي لبكين ويضاعف الأخطاء الجيوسياسية لواشنطن.

​

تتفق التحليلات الأربعة في مجلة فورن أفيرز على حقيقة مركزية مفادها أن السياسات القائمة على ردود الفعل المرتجلة، والتخبط الدبلوماسي، وإهمال التفاصيل الأمنية الدقيقة (سواء في البحار أو في سلاسل الإمداد العسكرية)، لم تعد تجدي نفعاً في عالم متعدد القطبية يتسم بالسيولة الشديدة؛ الأمر الذي يستدعي إعادة هندسة استراتيجية شاملة للسياسة الخارجية والأمنية الأمريكية والدولية.

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11923
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.