من الظلام إلى المنظومة الصحية . كيف تحول الجسد المصري بين عهد العثمانيين ودولة محمد علي؟
بين قرون طويلة من الإهمال الصحي والوطأة المرعبة للأوبئة، ونقلة نوعية كبرى وضعت حجر الأساس للطب الحديث في الشرق الأوسط، يطالعنا كتاب "الطب والعلاج في مصر العثمانية وعهد محمد علي" للباحث د. عماد عبد الرؤوف الرطيل (الصادر عن منشورات دار الجمهورية للصحافة عام 2015م). يفتح الكتاب نافذة تحليلية واسعة على تاريخ الجسد المصري، وكيف تحول من ساحة مستباحة للأمراض الفتاكة إلى موضوع رئيسي لاهتمام الدولة الحديثة وتنظيمها المؤسسي.
الأوبئة والجمود: حين كانت مصر تحت رحمة "الموت الأسود"
يوثق الكتاب ببرهان تاريخي وأثري حالة الركود والتهميش التي عانى منها القطاع الصحي طوال حقبة الحكم العثماني (1517م - بداية القرن التاسع عشر). فلم تكن هناك مستشفيات مركزية كبرى أو منظومة صحية تحمي المواطنين، بل غابت تماماً أبسط قواعد الحجر الصحي (الكرنتينا).
وفي السياق التاريخي الدولي، تشير سجلات الأوبئة العالمية إلى أن مصر – نظراً لموقعها التجاري المتميز – كانت عرضة متكررة لموجات مدمرة من مرض الطاعون (الموت الأسود) والكوليرا. وتشير الدراسات الأجنبية والمؤرخون الذين وثقوا تلك الفترة (مثل ما دوّنه الرحالة والأطباء الأوروبيون لاحقاً) إلى أن اجتياحاً واحداً للطاعون كان يكفي لحصد أعداد هائلة من السكان في الأسابيع القليلة الأولى لانتشاره، لدرجة أن الأسواق كانت تُشل تماماً، وتفر الشوارع منمارستها الحياتية الاعتيادية.
في ظل هذا الغياب الطبي المؤسسي، لجأ المصريون إلى الطب الشعبي، والأعشاب، وما ورثوه عن طب العرب القديم، متوسلين بالكتاتيب والأضرحة والتمائم لمواجهة أمراض عجز العلم المتوارث عن تفسيرها أو تطويقها.
نقطة التحول: حين أصبح الطب ضرورة استراتيجية للجيش والدولة
مع صعود محمد علي باشا إلى سدة الحكم في أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن تأسيس منظومة طبية حديثة مجرد "ترف إنساني"، بل استجابة حتمية لضرورة سياسية وعسكرية قصوى. فقد أراد الباشا بناء جيش قوي وأسطول عارم، وهو ما اصطدم بعقبة كبرى تمثلت في هشاشة الوضع الصحي للجنود والفلاحين المعرضين للأمراض المستوطنة.
هنا يبرز الدور التاريخي للطبيب الفرنسي أنطوان بارتيليمي كلوت (المعروف بكلوت بك)، الذي استقدمه محمد علي عبر وسيطه التجاري الفرنسي "تورنو" عام 1825م، لتبدأ رحلة التحديث الكبرى.
مدرسة أبو زعبل وقصر العيني: في عام 1827م، أُسست مدرسة الطب في أبو زعبل (والتي نُقلت لاحقاً لتستقر في قصر العيني)، لتصبح أول صرح أكاديمى طبي حديث في الشرق الأوسط وأفريقيا.
اقتحام التقاليد: يبرز التوثيق التاريخي الدولي والدراسات الأجناسية (Anthropological Studies) حجم المقاومة المجتمعية والشعبية التي واجهت الأطباء الأجانب والتطعيمات الحديثة في بداياتها، إلا أن الإرادة السياسية الصارمة لمحمد علي وكلوت بك نجحت في فرض التطعيمات الإجبارية (خاصة ضد الجدري).
صحة المرأة و"الحكيمات": لم يقتصر الأمر على طب الرجال، بل أُسست مدرسة للطب الخاصة بالنساء عام 1832م لتخريج الطبيبات "الحكيمات"، مما شكّل اختراقاً اجتماعياً هائلاً في ذلك العصر.
المحاجر الصحية وبدايات "الدبلوماسية الصحية"
إلى جانب المدارس والمستشفيات العسكرية والمدنية، يُحسب لعهد محمد علي إدخال النظام المؤسسي لمواجهة الأوبئة الوافدة عبر الموانئ؛ حيث أُنشئت المحاجر الصحية (الكرنتينا) في الإسكندرية وغيرها، وهو ما أشار إليه المؤرخون بوصفه نقطة التحول الكبرى التي نقلت مصر من مرحلة "التسليم العشوائي للموت" إلى مرحلة "الدفاع الوقائي المنظم".
جسر بين مرحلتين
يمثل كتاب د. عماد عبد الرؤوف الرطيل إضافة مكتبية وتاريخية بالغة الأهمية؛ لأنه لا ينظر إلى إنجازات عصر محمد علي بمعزل عن سياقها، بل يضعها في مقارنة موضوعية تبرز حجم الهوة بين "عصر الظلام الصحي العثماني" و"فجر التنظيم الإداري والطبي الحديث"، مؤكداً أن العناية بالجسد المصري كانت هي الركيزة الخفية لبناء الدولة الحديثة بأسرها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك