من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سارتر وجدوى الكتابة

د. محمد عبدالله القواسمة
سارتر وجدوى الكتابة


جان بول سارتر (1905 - 1980م) فيلسوف وروائي ومسرحي فرنسي، من أبرز مفكري الفلسفة الوجودية في القرن العشرين. ارتبط بعلاقة قوية بالفيلسوفة والكاتبة سيمون دي بوفوار، ومن أشهر أعماله رواية "الغثيان"1937، وكتاب "الوجود والعدم"1943، ومسرحية "الأبواب المغلقة"..1944م. رفض استلام جائزة نوبل في الأدب عام 1964 م؛ لأنه كان يرفض الجوائز الرسمية، التي تجعل الكاتب مرتبطًا بالمؤسسات التي تصدرها.

ظهر سارتر في كتابه" ما الأدب؟" 1948م متبنيًا فكرة الأدب الملتزم، التي تقوم على أن مهمة الأدب التعبير عن قضايا المجتمع ومشكلاته، كأن يعبر عن موقف أو قضية، مثل: الحرية، والظلم، والمسؤولية، والعدالة. فالكاتب مسؤول عن كلماته وأفكاره، وأن الكتابة تجعل القارئ أكثر وعيًا بحريته ومسؤوليته تجاه المجتمع فالكاتب لا يقدم كلمات محايدة، بل يكشف جانبًا من العالم أمام القارئ، ليكون أكثر وعيًا، وربما يدفعه هذا الوعي إلى اتخاذ موقف مما تكشف له. 

وإذا كان سارتر عبر عن الاعتماد على الكتابة مباشرة في كتابه "ما الأدب؟" في كشف العالم وإمكان تغيير الوعي الإنساني، فإنه فعل ذلك في عمله الروائي "الغثيان" أيضًا؛ فأنطوان روكنتان بطل الرواية يكتشف أن الحياة والأشياء من حوله غريبة، وليس لها معنى ثابتًا؛ فيحس بالغثيان، وتسيطر عليه مشاعر العبث واللاجدوى؛ لهذا يحاول التفكير في صناعة المعنى لما يعايشه. وفي النهاية يقرر أن يجده في الكتابة، ففيها إمكانية للنجاة من العبث، أو منحها معنى.

لعل هذه الفكرة، فكرة الأدب الملتزم تعززت لدى سارتر إثر الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لفرنسا (1940-1944) فصار أكثر اهتمامًا بالحرية والمسؤولية والمقاومة.

لكن رأيناه وهو في حوالي الخمسينيات من عمره يغير في أفكاره، وبدا ذلك في كتابه "الكلمات"1964م إذ تبين له أنه كان يمنح الكتابة قيمة تكاد تكون مقدسة، ويتخيل أن الكاتب يستطيع من خلال أعماله أن يبرر وجوده، وأن يخلد نفسه، وربما ينقذ العالم. يقول في كتابه ترجمة محمد مندور 2015م:"هذه عادتي ثم إنها مهنتي. لقد حسبت قلمي سيفا زمنا طويلا: وإني أعرف الآن عجزنا. وهذا لا يهم: إني أؤلف وسوف أولف كتبا، لا بد من ذلك، وإنه مفيد كذلك. إن الثقافة لا تنقذ شيئا ولا شخصًا، إنها لا تبرر. ولكنها نتاج الإنسان: إنه يعكس نفسه عليها، ويعرف نفسه بها؛ إن هذه المرآة الناقدة هي وحدها التي تقدم له صورته"(ص221) 

يقر سارتر في هذا النص بأنه لن يتخلى عن الكتابة، وسيستمر في تأليف الكتب؛ فهي عادته ومهنته مع أن الكتابة لم تعد في نظره وسيلته في تغيير العالم؛ فهي كجزء من الثقافة لا تنقذ الإنسان من فقر أو ظلم، ولا تجعل وجوده مبرَّرًا أو ذا قيمة. يرفض سارتر في هذا النص فكرة أن الإنسان إذا كان مثقفًا أو قارئًا أو كاتبًا هو الأفضل، أو أن حياته ذات معنى إن الثقافة مهمة، فالإنسان على سبيل المثال عندما يقرأ رواية عن الخوف لا تنقذه الرواية من الخوف إنما ترىه مشاعره وأفكاره بصورة أوضح. فالثقافة مرآة لا تعكس شكلنا الخارجي، بل تكشف لنا مخاوفنا وأفكارنا ومناقضاتنا. وهي ناقدة لأنها تجعلنا نفكر ونحكم ونتساءل عن أنفسنا وعن مجتمعنا. 

من هنا لا يمكن اعتبار موقف سارتر في" الكلمات" رفضًا للأدب الملتزم بالكامل، وإنما هو نقد لتقديس الأدب والمبالغة في قدرته على تغيير الواقع.

كان التغيّر، في فكر جان بول سارتر حول جدوى الكتابة نتيجة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جرت في عهده، وأثّرت فيه، مثل الحرب الباردة بعد عام 1945إذ جعله الصراع بين الرأسمالية والشيوعية ينخرط أكثر في السياسة ويكتشف تعقيد الواقع السياسي وصعوبة تغييره بالأفكار وحدها. ثم الاستعمار وحرب الجزائر (1954–1962) إذ وقف سارتر ضد الاستعمار الفرنسي، ورأى أن الظلم والعنف السياسي يحتاجان إلى نضال سياسي واجتماعي، وليس إلى الكتابة فقط. ثم أزمات الأنظمة الشيوعية، خاصة قمع الثورة المجرية سنة 1956 جعلته أكثر نقدًا للاتحاد السوفيتي وللفكرة القائلة إن أيديولوجية واحدة تستطيع تحقيق العدالة بسهولة. ثم أحداث أيار/مايو 1968 في فرنسا، التي تمثلت في احتجاجات الطلاب والعمال، فأثرت فيه كثيرًا، واقترب من الحركات الشبابية واليسارية، وأصبح يرى أهمية كبيرة للعمل السياسي المباشر والجماعي فضلًا عن الكتابة. 

ولا ننسى أن سارتر مع تقدّمه في السن، خصوصًا في السبعينيات، أصبح أقل اقتناعًا بأن الأديب يستطيع بأدبه وحده تغيير العالم. 

ومثل هذا التشكيك في قدرة الأدب على تغيير الواقع يذكرنا بالشاعر والكاتب البريطاني الأمريكي ويستن هيو أودن (1907 – 1973) ففي قصيدته الشهيرة " في ذكرى و. ب. ييتس يرى بأن "الشعر لا يجعل شيئًا يحدث"؛ فقراءة قصيدة جميلة لن توقف الحرب مباشرة، ولن تطعم إنسانًا جائعًا.

والخلاصة رأينا سارتر في البداية يفهم الكتابة بأنها فعلٌ ملتزم يمكن أن يؤثر في المجتمع، ويكشف الظلم، ويدفع الناس إلى التغيير. لكن مع مرور الوقت أدرك أن الكتابة وحدها لا تستطيع تغيير الواقع مباشرةً. لذلك أصبح ينظر إلى الكتابة باعتبارها وسيلة للتوعية، وكشف الحقيقة، وإثارة التفكير أكثر من كونها أداة قادرة وحدها على إحداث التغيير.

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11936
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.