المرآة الخلفية
يَتَناثَرُ الماءُ على جَسَدي من الدُّشِّ.
أسمعُ جَلَبَةً في الخارج.
يصيحُ حفيدي يسألُ عنّي، ويَنقُرُ على البابِ مُستَعجِلًا.
لقد عُدتُ من سَفَرٍ لم أُكمِلْه؛ كانتِ الوجهةُ حضورَ زواجِ ابنةِ أخي.
ومعَ تَدليكِ جَسَدي بالمِنشَفةِ توقَّفَت يدي، لِتَمسَحَ دَمعَةً.
كنتُ ضمنَ رُكّابِ الحافلة، وانصَبَّ حديثُ المجموعةِ على الحاجةِ والعَوز:
فلنُحسِّنْ من الأوضاع، لنا أرضُ الأجدادِ استأثرَ بها البعضُ.
توقَّفَت الحافلةُ عندَ سجلاتِ الأراضي، وبقيتُ وحدي على مَقعدي.
الفُضولُ دفَعَ السائقَ ليسألَني:
- كُنّا ثلاثَ شقيقاتٍ، وأنجبتْ أمُّنا ولدًا فارقَ العُمرِ بيننا كبير.
بعدَ رحيلِها رعَتهُ الشقيقةُ الكُبرى، ثم تفرَّقَت بنا السُّبُلُ بعدَ الزواجِ وغادرنا البلدة.
ظلَّ شقيقُنا برفقةِ أبينا وزَوجِه من بنتِ أخيه.
ترَكَت أمُّنا حِصّةً زراعيةً شاسعة.
ومن ثمَّ كان ردّي للسائقِ أن أبانا أوصى بها لابنه.
لم تسألْ أيٌّ من البنات، واكتفَينا بحياتِنا الجديدة.
وظلَّت زوجةُ أخينا على الوُدّ، تُرسِلُ لنا من حينٍ لآخر بعضَ الثِّمار.
قال السائق:
- لا يَضيرُكِ أن تنظُري في حِصّةِ أبيكِ وأمِّكِ.
- لا يُشغِلُ بالي.
- من بابِ الفُضولِ فقط.
رافقَني السائقُ وجلستُ أنتظرُ دوري.
فإذا بالحقيقةِ أنَّ أبي لم يُوصِ، بل تركَها للورثة.
فارَ الدمُ في عُروقي، وخيالُ زوجةِ أخي يَتَغشّاني فاعتراني الوَهن.
لن أُكمِلَ الرحلةَ ولن أحضرَ الزفاف.
فتحتُ بابَ غُرفتي وفي بالي ألّا أتحدَّثَ عن غَفلَتِنا.
الإسكندرية ٥ نوفمبر ٢٠٢٦م
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك