الاستقلال: الكذبة المثالية في حياة السودانيين
مدخل إلى الحكاية:
على أعتاب الذكرى الحادية والسبعين لإعلان الاستقلال يجيء هذا الحديث.
هي تأملات في الواقع السوداني أثارها أعظم اختراع بشري في العصر الحديث، ذلك الذي فتح النوافذ المغلقة، وأخرج إلى العلن ما ظل يتداول في المجالس الضيقة بعيداً عن عدسات الإعلام ومنابره.
أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي لعدد كبير من الشخصيات السودانية التي شغلت مواقع مؤثرة ومهام مجتمعية أن تستعيد ذكرياتها أمام الجمهور، بالصوت والصورة، وفي حلقات مطولة منحت المتحدثين فسحة واسعة للسرد والبناء والتفصيل.
من هنا تأتي أهمية العودة إلى تلك المواد الأصلية المنتشرة في المنصات المختلفة.
فالقارئ قادر على أن يضيف كثيراً إلى ما يرد في هذا المقال، الذي لا يدّعي أكثر من كونه ذرة صغيرة في ذاكرة أمة تبحث عن نقطة بدء جديدة نحو مستقبل أكثر وضوحاً.
استقلال وُلد من مأزق:
عند النظر إلى بدايات الاستقلال تتبدى حقيقة الصراع الذي دار بين السودانيين حول الكيفية التي تُورث بها سلطة المستعمر.
تيار اندفع نحو الوحدة مع مصر، وما تزال بعض امتداداته السياسية حاضرة حتى اليوم.
وتيار آخر حمل تصوراً لدولة ترعاها بريطانيا وتعيد للمهدية حضورها التاريخي.
وجاءت زيارة الرئيس المصري إلى السودان في سنوات ما بعد الملكية لتكشف هشاشة المشهد. فحوادث مارس 1954 لم تكن مجرد واقعة عابرة، وإنما إشارة مبكرة إلى أن الخلافات السودانية كثيراً ما تغادر مائدة الحوار إلى مساحات أكثر قسوة.
وفي الأثناء ظهر صوت ثالث يطالب بحقه في تقرير المصير، لتدخل البلاد مبكراً في دوامة التمرد المسلح في جنوب السودان.
ملف بالغ الخطورة ظل معلقاً دون حسم سياسي حقيقي، حتى صار عبئاً انتقل تدريجياً من قاعة البرلمان إلى ساحة الجيش.
وتبدو هذه الصورة واضحة عند استدعاء جلسة التاسع عشر من ديسمبر 1955، حين أُعلن الاستقلال من داخل البرلمان بعد وصول الأطراف المتنافسة إلى طريق مسدود.
ذلك هو المشهد الذي حفظته الذاكرة الوطنية تحت عنوان اتفاق السيدين، غير أن خلفيته الأعمق تكمن في تراجع المستعمر عن وعوده للأطراف جميعها.
ذاب مشروع الوحدة مع مصر، وانطفأت فكرة المملكة السودانية التي راودت أنصارها.
أما دوافع البريطانيين والمصريين وراء ذلك التحول فما تزال مساحة واسعة للبحث والتأمل.
الراية التي أخفت الأسئلة الكبرى:
احتفظت الذاكرة الجمعية بصورة العلم السوداني وهو يرتفع فوق سارية القصر الجمهوري مكان علمي الحكم الثنائي.
صورة مهيبة دون شك، غير أن الأسئلة الأكثر خطورة ظلت معلقة في الخلفية.
كان الجنوب يغلي، والحوار الوطني يتراجع، والقضية التي احتاجت إلى اجتهاد سياسي واسع تُركت لميزان القوة.
ومن هنا بدأ الجيش يتقدم إلى واجهة المشهد بوصفه الوريث الأكثر تنظيماً للمؤسسات التي خلفها الاستعمار.
لم يكن الأمر وليد المصادفة.
فهذه المؤسسة نمت داخل منظومة عسكرية ارتبطت بالإمبراطورية البريطانية، وخاضت معاركها الكبرى، واستفادت من مدارسها العسكرية وبرامجها التدريبية وشبكاتها المهنية.
ومع مرور الوقت أصبحت الأحزاب السياسية تدور في فضاء تحدده المؤسسة العسكرية بدرجات متفاوتة.
لماذا رحل المستعمر؟
يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: لماذا غادرت القوى الاستعمارية السودان رغم ما يملكه من موارد هائلة وإمكانات واعدة؟
ثمة من يفتش عن الإجابة في الاقتصاد أو في التحولات الدولية، غير أن قراءة شهادات السودانيين أنفسهم تقود إلى زاوية أخرى تتعلق بطبيعة العلاقة بين الفرد والدولة.
تكشف تلك الشهادات حضور النزعة الشخصية على حساب المشروع العام، حتى تبدو المصلحة الوطنية في كثير من الأحيان فكرة مؤجلة أمام الحسابات الضيقة.
سرعان ما تتحول الخلافات إلى خصومات، وتغدو الأسرار مادة للتداول، ويكتسب الإفصاح عما ينبغي كتمانه قيمة رمزية في نظر البعض.
إنها ظاهرة تكررت بأشكال متعددة في الحياة السياسية والحزبية والإدارية، وتركت أثرها على بناء المؤسسات واستقرارها.
من الدولة إلى الأفراد:
بمرور السنوات تراجع الاهتمام بالمؤسسة لصالح الأشخاص.
قائد عسكري يغادر موقعه ليتزعم حركة تقاتل رفاق الأمس.
ومسؤول حكومي يترك منصبه العام لينشئ كياناً ينافس المؤسسة التي كان جزءاً منها.
وتتكرر الصورة في الأحزاب والتنظيمات والطرق الصوفية والعائلات السياسية، حيث يتشظى الأصل الواحد إلى كيانات متفرقة، يحمل كل منها روايته الخاصة ومصالحه الخاصة.
وسط هذا المناخ أخذ الإرث الإداري الذي تركه المستعمر يتآكل تدريجياً، حتى فقد كثيراً من قدرته على إنتاج الاستقرار والاستمرار.
حين يصبح السر سلعة:
من أكثر السمات حضوراً في التجربة السودانية المعاصرة سهولة انتقال الأسرار من الغرف المغلقة إلى المجال العام.
اتفاق يعقبه تسريب.
وعد ينتهي إلى روايات متضاربة.
واجتماع يخرج منه المشاركون بحكايات مختلفة.
عند هذه النقطة تتغذى الشكوك، وتتسع مساحات التربص، ويصبح البحث عن الدعم الخارجي خياراً متكرراً في الصراعات الداخلية.
ينتقل المتخاصمون من ساحة الوطن إلى عواصم أخرى، يحمل كل فريق روايته ويطلب العون لقضيته، ثم تعود البلاد إلى الدائرة نفسها التي دارت فيها من قبل.
حصاد سبعة عقود:
بعد عقود من الاستقلال تبدو النتيجة واضحة في عدد من الملفات الكبرى.
دستور دائم ما يزال غائباً.
تخطيط استراتيجي طويل الأمد لم يكتمل.
وسياسة خارجية تتبدل بتبدل الحكام وموازين القوى.
وفي عمق المشهد تستمر ثقافة السيطرة بوصفها محركاً أساسياً للصراع في المجالين العسكري والمدني على السواء.
ذاكرة تتحدث عن نفسها:
هذا المقال ابن تلك الشهادات المتناثرة في الفضاء العام.
شهادات يرويها أصحابها بفخر واطمئنان، ويغوصون في تفاصيلها الدقيقة حتى يشعر المتلقي أنه يعيش الحدث من داخله.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيراً من الوقائع الصغيرة تروى في هيئة بطولات كبرى، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالمستقبل معلقة دون إجابات.
تتغير الوجوه، وتتكرر التجارب، ويدور المشهد في الحلقة نفسها.
أما النهار الذي ينتظره السودانيون فما يزال مؤجلاً إلى موعد لم يُكتب بعد.
الإسكندرية 6 نوفمبر 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك