«النرجس الأسود»: كيف صنع الاستوديو البريطاني جبال الهيمالايا في 1947؟
تحفة مايكل باول وإيميريك بريسبرغر تعود إلى الواجهة بعد نحو ثمانية عقود، بوصفها واحدة من أبرز ما قدمته السينما الملوّنة
يُقدَّم فيلم «Black Narcissus» (النرجس الأسود) اليوم باعتباره من كلاسيكيات السينما العالمية. وتتجدد دهشة المشاهدين كلما عُرض، لأن مشاهد جبال الهيمالايا الشاهقة التي يظنها المتفرج مصوّرة في الموقع الحقيقي، لم يُصوَّر منها إطار واحد خارج الاستوديو، بل أُنجز العمل في استوديوهات «باينوود» بضواحي لندن، مع رحلات قليلة إلى حديقة هندية الطابع في مقاطعة ساسكس.
قصة الفيلم
تدور الأحداث حول جماعة من الراهبات الأنجليكانيات يتوجهن إلى قصر قديم في منطقة جبلية نائية في الهيمالايا، لتحويله إلى دير ومدرسة ومستشفى لخدمة أهل المنطقة.
تقود المجموعة الأخت كلوداغ، وتؤدي دورها ديبورا كير. وسرعان ما تتحول الأجواء الجبلية المعزولة، بما فيها من رياح وارتفاع وسحر غامض، إلى اختبار قاسٍ لعواطفهن وقناعاتهن، فتتصاعد التوترات النفسية والعاطفية داخل الدير.
ويصف أحد الملفات النقدية الدولية العمل بأنه يضع الراهبات في مواجهة الهواء الجبلي ورغباتهن المكبوتة.
من الرواية إلى الشاشة
الفيلم مقتبس من رواية الكاتبة البريطانية روما غودن الصادرة عام 1939،وتشير المراجع إلى أن المخرج مايكل باول تعرّف إلى الرواية عبر الممثلة ماري موريس.
وكانت غودن قد حوّلت روايتها إلى نص مسرحي للمخرج لي ستراسبرغ في الولايات المتحدة، لكنها سمحت لبريسبرغر بكتابة معالجته السينمائية الخاصة بالاشتراك مع باول.
تفاصيل الإنتاج:
كيف تحققت المعجزة البصرية؟
التصوير:
بدأ في 16 مايو 1946 واكتمل في 22 أغسطس من العام نفسه، في استوديوهات باينوود بصفة أساسية، مع بعض المشاهد في حدائق ليونارد سلي بغرب ساسكس، وهي حدائق يملكها ضابط متقاعد من الجيش الهندي وتضم أشجاراً ونباتات مناسبة للأجواء الهندية.
المفارقة:
عُرف باول بحبه للتصوير في المواقع الحقيقية، لكنه في هذا الفيلم انجذب إلى فكرة التصوير داخل الاستوديو قدر الإمكان، ليصنع عالماً خاضعاً للسيطرة الكاملة وغير واقعي بعض الشيء.
الخدع:
اعتمد الفيلم على لوحات مرسومة على الزجاج نفّذها الفنان بيرسي داي، إضافة إلى مجسمات مصغّرة لمشاهد القصر. ونقلت المراجع عن باول قوله إن الجبال في الفيلم رُسمت على الزجاج.
الضوء واللون:
استلهم مدير التصوير جاك كارديف أسلوب الرسام الهولندي فيرمير. فقد أراد ضوءاً صافياً وبسيطاً قدر الإمكان، بحسب ما أورده مهرجان «تايملس» السينمائي البولندي.
التصميم:
تميّز عمل مصمم الإنتاج ألفريد يونغه بالمقارنة بين المكاتب الاستعمارية البريطانية ذات الجدران الصماء، وغرف القصر القديم المنحنية متعددة المستويات، فتتحول المساحات نفسها إلى أداة سرد.
الجوائز والتكريم
نال الفيلم جائزتين من الأوسكار: أفضل تصوير سينمائي (ملون) وأفضل إخراج فني وتجهيز ديكور (ملون). وحصد كارديف أيضاً جائزة غولدن غلوب لأفضل تصوير سينمائي. أما الموسيقى فألّفها براين إيزديل، وأدّى المقطوعات أوركسترا لندن السيمفوني.
العرض الأول والسياق التاريخي
أُقيم العرض العالمي الأول للفيلم في سينما أوديون ليستر سكوير بلندن في 24 أبريل 1947 بحضور الملكة ماري، ثم عُرض في عشرين مدينة بريطانية كبرى خلال عشرة أيام. وجاء الفيلم والمملكة المتحدة تخرج لتوّها من إرهاق الحرب العالمية الثانية، قبل أشهر من استقلال الهند في 14 أغسطس 1947.
وقد رأى الناقد ديفيد كير، في قراءة نشرها أرشيف «كرايتيريون»، أن المشهد الأخير الذي تنزل فيه الراهبات من الجبل ربما فُهم لدى الجمهور البريطاني آنذاك بوصفه وداعاً أخيراً لإمبراطورية آخذة في التراجع.
قراءة نقدية معاصرة
لا تغيب عن الفيلم قراءات حديثة تعيد النظر فيه. فقد وصفه مهرجان «تايملس» السينمائي بأنه خيال من الحقبة الاستعمارية، وتساءل عن مدى قدرة الصورة والموسيقى المتقنتين على تعويض الصورة النمطية التي يقدمها عن الشرق.
كما صُنّف العمل في مهرجان كارلوفي فاري الدولي ضمن الأفلام التي حملت شحنة إيروتيكية كثيفة في زمن مبكر. وتظل لقطة أحمر الشفاه التي تضعه الأخت روث من أشهر لقطات الفيلم، إذ تكفي وحدها للدلالة على انهيار الانضباط.
بطاقة الفيلم
الإخراج والإنتاج والسيناريو: مايكل باول وإيميريك بريسبرغر (شركة «ذا آرتشرز»)
البطولة: ديبورا كير، ديفيد فارار، كاثلين بايرون، سابو، جين سيمونز، فلورا روبسون
التصوير: جاك كارديف | المونتاج: ريجينالد ميلز | الموسيقى: براين إيزديل
المدة: نحو 100 دقيقة | سنة الإنتاج: 1947 | البلد: المملكة المتحدة
المصادر الدولية:
معهد الفيلم البريطاني (BFI)
أرشيف «كرايتيريون» (مقال ديفيد كير)
مهرجان كارلوفي فاري الدولي (KVIFF)
مهرجان «تايملس» السينمائي
،متحف كوينزلاند للفنون (QAGOMA)
موسوعة ويكيبيديا للبيانات الإنتاجية.
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك