لسنا جميعًا على طيف التوحّد… لكن من يملك تعريف الطبيعي؟
في سلطة المعايير، ووحشة الاختلاف، وحق الإنسان في أن يكون كما هو
ثمة عبارة تتردد كثيرًا، أحيانًا بدافع التعاطف وحسن النية: «كلنا على طيف التوحّد». تبدو، للوهلة الأولى، محاولة لتقريب المسافة بيننا وبين الأشخاص المتوحدين، لكنها تثير سؤالًا يستحق التأمل: هل نفهم الاختلاف حقًا حين نُذيبه في تجربة عامة، أم أننا نطمس بذلك خصوصيته وما يميّزه؟
لسنا جميعًا على طيف التوحّد. فالتوحّد ليس استعارة لتفاوت الطباع، ولا وصفًا لكل من يفضّل العزلة أو ينزعج من الضجيج أو يجد صعوبة في التواصل. إنه اختلاف نمائي عصبي له خصائصه وتجلياته واحتياجاته، وتتباين تجارب الأشخاص المتوحدين من فرد إلى آخر. واحترامهم يبدأ بالاعتراف بخصوصية تجربتهم، لا بتحويل التوحّد إلى تعبير مجازي يشمل الجميع.
لكن المسألة تتجاوز دقة المصطلح إلى سؤال أعمق: من يملك حق تعريف الطبيعي؟ وكيف اكتسبت بعض أنماط السلوك سلطة التحول إلى معايير نقيس بها الآخرين ونحاكمهم على أساسها؟
نعيش داخل منظومة من التوقعات التي تبدو بديهية لكثرة ما اعتدناها: أن ينظر الطفل في عيني من يحدثه، وأن يجلس بهدوء، وأن يستجيب للكلام بالطريقة المتوقعة، وأن يتحمل الضجيج، وأن يعبّر عن مشاعره وفق الإشارات التي ألفها المحيطون به. وحين لا يفعل ذلك، يصبح سلوكه موضع تساؤل، ثم تدخل، ثم محاولات لتصحيحه.
غير أن الاعتياد ليس دليلًا على الصواب، وما تراه الأغلبية طبيعيًا ليس بالضرورة المعيار الوحيد الذي ينبغي أن يُقاس به الإنسان.
فالطفل الذي يبتعد عن الضجيج قد يكون مثقلًا بما تستقبله حواسه من أصوات، لا رافضًا للعالم. والذي يتجنب التواصل البصري قد يتواصل بطريقة مختلفة، لا يتجاهل من أمامه. أما تكرار حركة معينة، فقد يكون وسيلة لتنظيم إحساس داخلي، لا عبثًا أو تحديًا.
تبدأ المشكلة حين نفسّر السلوك قبل أن نحاول فهمه، وحين نخلط بين ما يزعجنا نحن وما يؤذي الطفل فعلًا. فليس كل ما يخرج عن المألوف علامة على خلل، وليس كل ما يبدو غريبًا يحتاج إلى تصحيح.
في أحد المشاهد اليومية داخل ساحة البستان، كان طفل صغير يخلع حذاءه مرارًا أثناء اللعب. وكانت أخصائية النطق واللغة مرام حاج يحيى تعيد إلباسه الحذاء، ثم تواصل اللعب معه وتشجعه على المشاركة. تكررت المحاولة مرة بعد أخرى، حتى بلغت نحو عشر محاولات.
قد يبدو المشهد عابرًا، لكن ما يستحق التوقف عنده ليس عدد المحاولات، بل ما اختزنه من صبر وفهم وإصرار مهني وإنساني. فمرام لم تتعامل مع خلع الحذاء بوصفه تحديًا ينبغي كسره، ولم تجعل من تكرار السلوك سببًا للتراجع أو إقصاء الطفل عن اللعب. بل واصلت المحاولة، محافظة على التواصل معه، وكأنها تقول له بالفعل لا بالكلمات: قد تكون خائفًا، وقد يربكك ما يحدث حولك، لكننا هنا معك، ولن نتركك وحدك في مواجهة ما يصعب عليك احتماله.
إن الوصول إلى طفل يعيش العالم بطريقة مختلفة لا يبدأ دائمًا بتقديم التعليمات أو تكرار المطالب، بل ببناء مساحة من الأمان والثقة؛ مساحة يشعر فيها بأنه ليس مضطرًا إلى مواجهة ما يربكه وحده. نحن لا ننتزعه من عالمه بالقوة، ولا نطالبه بالتخلي عما يمنحه الطمأنينة، بل نمد إليه جسرًا يتيح له الاقتراب من عالمنا والمشاركة فيه، من دون أن يفقد حقه في أن يكون مختلفًا.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذا المشهد أن أثر المحاولات امتد إلى المرات التالية؛ إذ لم يعد الطفل يخلع حذاءه، بل بقي منتعلًا إياه أثناء اللعب. لم تكن النتيجة مجرد نجاح في إبقاء الحذاء في قدميه، بل تجربة أظهرت أهمية الاستمرار في المحاولة والبحث عن الطريقة المناسبة للتعامل مع الطفل، بدلًا من الاكتفاء بالحكم على سلوكه أو الاستسلام أمام تكراره.
لقد اقترن الإصرار بالاحتواء، والمحاولة بالمرونة، ولم تكن الغاية فرض الاستجابة بقدر ما كانت الوصول إلى الطفل واكتشاف المدخل المناسب للتواصل معه. وكأن الرسالة التي حملها هذا الموقف بسيطة وعميقة في آن واحد: قد تخاف، وقد تتردد، وقد تحتاج إلى وقت، لكننا معك، وسنواصل المحاولة حتى نجد الطريق إليك.
هنا تكمن قيمة التدخل المهني الحقيقي: ألا نكتفي بتكرار المحاولة، بل أن نراجع طريقتنا، ونقرأ احتياجات الطفل، ونبحث عن المدخل الذي يطمئنه. فالنجاح لا يُقاس فقط بما يفعله الطفل في النهاية، بل أيضًا بالطريقة التي وصلنا بها إليه، وبمدى احترامنا لكرامته واحتياجاته خلال هذه الرحلة.
فالأمان ليس تفصيلًا يسبق التعلم فحسب؛ إنه أحد شروطه الأساسية. والطفل الذي يجد من يفهمه، ويصبر عليه، ويمنحه فرصة أخرى، تتاح له مساحة أكبر للاقتـراب والمشاركة والاستكشاف. عندها لا يعود الاختلاف حاجزًا يحول دون التواصل، بل يصبح نقطة البداية للبحث عن لغة مشتركة.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الدعم والتطبيع القسري. فالمطلوب ليس ترك الطفل من دون مساعدة أو تجاهل الصعوبات التي يواجهها، بل توفير ما يحتاج إليه من دعم وتأهيل ووسائل للتواصل، من دون أن تصبح الغاية محو اختلافه أو دفعه إلى تقليد الآخرين كي يستحق القبول.
ثمة فرق بين مساعدة الإنسان على اكتساب مهارة يحتاج إليها في حياته، ومطالبته بأداء سلوك معين لمجرد أنه يطمئن المحيطين به. كما أن ثمة فرقًا بين تخفيف معاناته وتدريبه على إخفاء اختلافه حتى لا يربك الآخرين. وهذا ليس تفصيلًا تربويًا، بل مسألة تمس الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في تقبّل ذاته.
ولا تتوقف المسؤولية عند الطفل أو الأسرة. فالمدرسة والمؤسسات الاجتماعية شريكة في صنع شروط الاندماج أو في عرقلته. لا يكفي أن نطالب الأسرة بالصبر، ثم نتركها أمام بيئة تعليمية لا تراعي الاحتياجات الحسية والتواصلية لطفلها، أو مجتمع يفسّر الاختلاف بوصفه نقصًا.
فالدمج ليس شعارًا، ولا منّة تُقدَّم لمن يختلفون عنا؛ إنه حق ومسؤولية، يقتضيان تهيئة البيئات التعليمية والاجتماعية، وتدريب العاملين، وتوفير الدعم المناسب، وإزالة العوائق التي تجعل المشاركة امتيازًا بدلًا من أن تكون حقًا للجميع.
كذلك، لا ينبغي أن يظل الحديث عن التوحّد حك
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك