من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ثابت بن قرّة الحرّاني (٢٢١–٢٨٨هـ / ٨٣٦–٩٠١م): العالِم الموسوعي الذي جسّر الفجوة بين الرياضيات اليونانية والعلم العربي

خالد بيومي
ثابت بن قرّة الحرّاني (٢٢١–٢٨٨هـ / ٨٣٦–٩٠١م): العالِم الموسوعي الذي جسّر الفجوة بين الرياضيات اليونانية والعلم العربي


مرصد الشماسية ببغداد أول مرصد فلكي إسلامي ويُعرف بالمأموني حيث تم إنشاؤه في عهد الخليفة المأمون عام ٢١٤ هـ ومن أشهر الفلكيين الذين في هذا المرصد : أحمد الفرغاني، وثابت بن قرة، وموسى بن شاكر، ويذكر المؤرخون أنَّ المأمون أول من أشار باستعمال آلات رصد مواقع النجوم


تتناول هذه الدراسة سيرة ثابت بن قرّة وإسهاماته في الرياضيات والفلك والميكانيكا والترجمة، في سياق حركة النقل والتأليف في بغداد العباسية. وتخلص إلى أن أهميته لا تكمن في نقل التراث اليوناني فحسب، بل في تطويره بمنهج نقدي أسّس لعلوم لاحقة.


ثابت بن قرة (221 هـ ـ 288 هـ)


 ولد في "حران" ثم انتقل إلى كفر توما حيث إلتقى الخوارزمي الذي قدمه إلى الخليفة المعتضد الذي شجعه ، ويحكى أن الخليفة المعتضد كان يتمشى في بستان دار الخلافة هو وثابت بن قرََة وقد اتكأ الخليفة على يد ثابت ، وإذا به بنتر يده من يده ، فخاف ثابت من فعلة المعتضد لأن هذا الخليفة كان مهيباً وباطشاً، ولكن المعتضد قال له في الحال : يا أبا الحسن ، سهوت ووضعت يدي على يدك ، وليس هكذا يجب أن يكون ، فالعلما يجب أن يَعْلون ولايُعلَون .

 وكان ثابت يحسن السريانية واليونانية والعبرية ويجيد الترجمة إلى العربية ، وكان من الذين مهدوا لإيجاد التكامل والتفاضل . وقد نبغ في : الطب والرياضيات والفلك والفلسفة وله أرصاد قيمة ، إذ حسب طول السنة النجمية فكان الناتج أكثر من الحسابات الحالية بنصف ثانية ، وله مؤلفات في "الجبر وعلاقته بالهندسة" .

كما ألف كتباً كثيرة في الطب والفلك ، وإضافة إلى ذلك فله كتب أخرى كثيرة في الهندسة والأعداد والمدخل إلى إقليدوس والمدخل إلى المنطق وكتاب في "المخروط المكافئ" وغيرها كثير . 

 ومما يؤسف له أن أغلب كتبه قد فقدت ولم يصلنا منها الشيء الكثير .


أولًا: النشأة والبيئة الأولى


وُلد ثابت في مدينة حرّان (شمال بلاد ما بين النهرين)، وهي مركز ثقافي عُرف بتراثه الهلنستي وسريانيته. ينتمي إلى الصابئة الحرّانيين، وهم جماعة احتفظت بتراث فلسفي وفلكي يوناني الجذور. امتهن في شبابه الصيرفة، ثم تحوّل مسار حياته حين اكتشف الرياضيّ محمد بن موسى بن شاكر نبوغه، فاصطحبه إلى بغداد وضمّه إلى رعايته.

 تذكر بعض المصادر سنة ٨٣٦م تاريخًا لمولده، بينما يرجّح عدد من الدراسات الحديثة سنة ٨٢٦م (٢١١هـ). .

ثانيًا: السياق الحضاري

نشط ثابت في عصر ازدهرت فيه حركة الترجمة برعاية الخلفاء ومشاريع الأسر العلمية كبني موسى. وقد اشتغل في ظل الخلافة العباسية، وارتبط بالخليفة المعتضد (حكم ٨٩٢–٩٠٢م) الذي قرّبه وجعله من ندمائه وعلمائه، بحسب ما أورده ابن أبي أصيبعة.


ثالثًا: الترجمة والتحقيق


أتقن ثابت العربية والسريانية واليونانية، فكان مترجمًا ومصحِّحًا لترجمات سابقة. ومن أبرز أعماله:

مراجعة ترجمة إسحاق بن حنين لكتاب «الأصول» لإقليدس.

مراجعة ترجمة «المجسطي» لبطلميوس.

الإسهام في ترجمة «المخروطات» لأبولونيوس، وقد وصلت المقالات الخامسة إلى السابعة منه بالعربية وحدها.

ترجمة أعمال لأرخميدس ولنيقوماخوس الجرشي («المدخل إلى علم العدد»).

ولم تكن ترجماته نقلًا حرفيًا، بل مصحوبة بتصويبات وشروح تدل على فهم عميق للمادة.


رابعًا: الإسهامات الرياضية


الأعداد المتحابّة: وضع قاعدة لتوليد أزواج هذه الأعداد، وهي المعروفة اليوم بـ«قاعدة ثابت». وتنص على أنه إذا كانت الأعداد p = 3·2ⁿ − 1 وq = 3·2ⁿ⁻¹ − 1 وr = 9·2²ⁿ⁻¹ − 1 أولية (حيث n > 1)، فإن العددين 2ⁿ·p·q و2ⁿ·r متحابّان. فإذا كانت n = 2 نتج الزوج المعروف (٢٢٠، ٢٨٤).

تعميم نظرية فيثاغورس:

برهن على صيغة تنطبق على المثلثات كيفما كانت زواياها، وتُعدّ أصلًا لما عُرف لاحقًا بقانون جيب التمام.


الحساب اللامتناهي في الصغر:


طوّر طرقًا لحساب مساحات وحجوم أشكال منحنية (كالقطع المكافئ ومجسّماته) باستخدام أساليب استنفادية تمهّد لمفهوم التكامل، وقد أبرز المؤرخ رشدي راشد أهمية هذا الجانب.


المسلّمة الخامسة:

حاول البرهنة على مسلّمة التوازي الإقليدية، ويُعدّ من أوائل من أسهموا في هذا الخط البحثي الذي سيفضي قرونًا بعده إلى الهندسات اللاإقليدية.

المعادلات التكعيبية: عالج بعضها بالطرق الهندسية.


خامسًا: الإسهامات الفلكية والفيزيائية


في الفلك حدّد طول السنة النجمية بدقة لافتة (نحو ٣٦٥ يومًا و٦ ساعات و٩ دقائق و١٢ ثانية)، وكتب في حركة الاقتراب والابتعاد (trepidation) المفسِّرة لتقدّم الاعتدالين، وهي نظرية ظلّت متداولة قرونًا في الفلك الإسلامي واللاتيني. وكتب كذلك في الساعات الشمسية وفي نظرية الإسقاط.

وفي الميكانيكا ألّف «كتاب القرسطون» عن الموازين ذات الكفّتين غير المتساويتين، وهو من أوائل المؤلفات في علم السكونيات (الاستاتيكا) في التراث العربي، وقد تُرجم إلى اللاتينية.

سادسًا: المحنة والتحديات


تعرّض ثابت لاتهامات دينية وفكرية، إذ خلص بعض أبناء طائفته الحرّانية إلى مخالفته لتقاليدهم، فاضطر إلى مغادرة حرّان، ثم دافع عنه محمد بن موسى. ويُظهر ذلك أن النبوغ العلمي في العصر الوسيط لم يعفِ صاحبه من صراعات الهوية والانتماء.


سابعًا: الإرث العلمي


توفي في بغداد سنة ٩٠١م، وخلّف أسرة علمية: ابنه سنان بن ثابت (طبيب)، وحفيده إبراهيم بن سنان (رياضي وفلكي)، وحفيده الآخر ثابت بن سنان (مؤرخ وطبيب). وبهذا امتدّ أثره عبر ثلاثة أجيال. أما أعماله فتُرجمت إلى اللاتينية وأثّرت في علماء أوروبا لاحقًا.

خاتمة


يمثّل ثابت بن قرّة نموذجًا للعالِم الذي جمع بين النقل والإبداع؛ فحفظ التراث اليوناني وطوّره، وأسّس لمباحث رياضية وفلكية امتدّ أثرها إلى النهضة الأوروبية.

المراجع : 

ابن النديم، الفهرست.

ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء.

القفطي، إخبار العلماء بأخبار الحكماء.

Rashed, R. (ed.), Encyclopedia of the History of Arabic Science, Routledge, 1996.

Rashed, R., Les mathématiques infinitésimales du IXe au XIe siècle, vol. 1, 1996.

Morelon, R., Thābit ibn Qurra: Œuvres d'astronomie, Les Belles Lettres, 1987.

Dictionary of Scientific Biography, مادة «Thābit ibn Qurra».

#نقاش_الإخباري 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11961
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.