شاعر الوعد الجميل
مقدمة
من أم درمان برز شاعرنا قرشي محمد حسن، الباحث في أدب المدائح، ورئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح.
كما عمل في مجال الصحافة، وترك بصمته في الأغنية السودانية والقصيدة الوجدانية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة.
النص الشعري
يا حبيبي أقبل الليل علينا
وضفاف النيل قد أصغت إلينا
وحباب الكأس تخبو في يدينا
وارتشفناها تباعاً فارتوينا
يا حبيبي قلت لي
في اللقاء الأول
بين همس السنبل
وخرير الجدول
في المساء المقبل
سوف تلقاني ولكن ما التقينا
أقبل الليل وصمت الليل طالا
وضياء البدر في الأفق تلألأ
والربى أضفت حوالينا الظلالا
ثم ذاب الموج في الشط وسالا
قلت والكأس لديكا
ويدي في خصلتيكا
هاتها من وجنتيكا
وأسقني من كفتيكا
خمرة منها ارتوينا
يوم عدنا والتقينا
التأويل:
مساء يفتح أبوابه للقلوب:
(يا حبيبي أقبل الليل علينا
وضفاف النيل قد أصغت إلينا
وحباب الكأس تخبو في يدينا
وارتشفناها تباعاً فارتوينا)
عند انطفاء حركة النهار، يمضي الحبيبان إلى ذلك الركن الوادع عند ضفاف النيل.
فتبدو الدنيا أبعد قليلاً مما كانت، وتغدو المياه الممتدة ستاراً يحجب الضجيج ويهيئ مساحة لا يملكها سواهما.
في هذا الملاذ تنشأ الألفة الأولى، وتبدأ القلوب في اكتشاف ما يجمعها.
لذلك يحضر النيل شاهداً على لحظة نادرة احتضنت بدايات العلاقة ومنحتها شيئاً من السكينة التي تجعل الزمن أبطأ والحضور أعمق أثراً في النفس.
وتصبح الجلسة نفسها ذكرى تستقر في الوجدان منذ لحظة ولادتها.
بذرة الرجاء:
(يا حبيبي قلت لي
في اللقاء الأول
بين همس السنبل
وخرير الجدول
في المساء المقبل
سوف تلقاني ولكن ما التقينا)
إنها بداية العلاقة.
في لحظة الانتشاء خرج الوعد باللقاء بعد أربعٍ وعشرين ساعة فقط، فاستقر في القلب منذ لحظة ولادته.
والكلمات التي قيلت بين هدوء الحقول وصوت الماء ظلت حبيسة الوجدان في انتظار الموعد.
وظل ديدنه العودة إلى تلك العبارة كلما انقضى يوم وأقبل يوم جديد.
يستحضرها كاملة المشهد بما فيها من وجوه وأصوات لا يسعها الكون.
ويصبح الموعد المرتقب رفيقاً لأيامه، يرافق خطواته ويمنح الانتظار معنى يحتمل به طول الطريق.
هكذا تنمو الأمنيات شيئاً فشيئاً، ويتحول الوعد إلى ضوء صغير يظل مشتعلاً في الداخل مهما امتدت الأيام.
وكل مساء يجيء حاملاً احتمالاً جديداً بأن يتحقق ما تمناه القلب منذ تلك اللحظة الأولى.
طريق يزداد طولاً مع الشوق:
(أقبل الليل وصمت الليل طالا
وضياء البدر في الأفق تلألأ
والربى أضفت حوالينا الظلالا
ثم ذاب الموج في الشط وسالا)
تحلو العودة إلى المكان نفسه الذي حفظ الذكرى الأولى.
يستحضر نور القمر في ليلة البدر وصفحة النيل الخالد، رفيق الرحلة المرتقبة.
والمياه المتقاذفة تداعب الرمال في حفاوة، فتسيل لها المشاعر في تناغم مع الغياب الذي ألقى بظله على المشهد كله.
فيكتسب الانتظار ثقله الحقيقي.
فكل ما حوله يذكره بالموعد المؤجل.
النيل الذي شهد الوعد الأول في ظنه يحتفظ بأسرار ذلك اللقاء.
يا ترى، هل ضلّت الحبيبة الطريق إلى المكان؟
تمر الساعات بطيئة، وتتجه العين نحو البعيد ثم تعود مثقلة بالترقب.
وكلما ازداد الشوق طال الطريق في الإحساس، وأصبحت المسافة أكبر من حقيقتها.
المكان حاضر بكل تفاصيله، ينتظر... كأنه ينتظر اكتمال الصورة بعودة من ارتبطت بها الذكرى الأولى.
حين تتولى الملامح مهمة الكلام:
(قلت والكأس لديكا
ويدي في خصلتيكا
هاتها من وجنتيكا
وأسقني من كفتيكا
خمرة منها ارتوينا
يوم عدنا والتقينا)
حين يطول الانتظار يتسع الخيال ليمنح صاحبه ما حرمته منه الأيام.
فيبدأ القلب في رسم اللقاء كما يتمناه، ويعيد بناء صورته تفصيلاً بعد تفصيل.
تعود الوجوه قريبة، وتتجدد الملامح في الذاكرة.
الحبيبة حاضرة في المشاعر حضور اليقين.
إنهما يعيشان لحظة وصال كاملة صنعتها الرغبة الصادقة في اللقاء.
ولهذا تتحرك التفاصيل الحميمة في فضاء الأمنيات، ويغدو الحلم قريباً من الحقيقة في الوجدان.
فالروح تسبق الواقع إلى ما ترجوه، وتسكن المكان الذي طال سفرها نحوه حتى تشعر أنها بلغت غايتها أخيراً.
اكتمال الحكاية:
ترسم القصيدة حكاية تبدأ بلحظة صفاء قصيرة عند ضفاف النيل، حيث يولد الوعد في قلب لقاء أول.
ومنذ تلك اللحظة يمضي الحبيب في صحبة الانتظار، يراقب المساءات وهي تتشابه، ويعيد إلى ذاكرته الكلمات التي أبقت الرجاء حياً.
ومع امتداد الشوق يتسع الخيال حتى يصنع اللقاء الذي تأخر حضوره، فتغدو الأمنية مكاناً تقيم فيه الروح كلما أثقلها البعد.
ومن هناك يستمد القلب عزاءه وقدرته على مواصلة الترقب.
لهذا تحتفظ القصيدة بعذوبتها، لأن للإنسان كل الحق في أن يعيش على وعد جميل، وأن يجد في الذكرى والأمل ما يجعله أكثر قرباً من اللحظة التي ينتظرها.
خاتمة:
رحل الشاعر عن دنيانا بعد أن ترك أثراً واضحاً في وجدان الأغنية السودانية، فعاش بين عامي (1915 - 1985م).
رحمة الله عليه رحمة واسعة.
الإسكندرية 7 نوفمبر 2026م
Sara Jaksa
·
أجمل ما في قصيدته:

أن الوعد لا يموت بتأخر اللقاء.. بل يبقى مشتعلاً في القلب، يضيء ليالي الانتظار، ويبني من الأمل جسراً لا ينقطع. وحين يطول الغياب، يصبح الخيال ملاذاً دافئاً نعيش فيه اللقاء كما نتمناه، لأن المحبة الصادقة لا تنتظر الواقع لتعيش.. بل تعيش في القلب أولاً وقبل كل شيء.
رحم الله الشاعر، وأبقى كلماته تنبض في الوجدان خالدة لا تموت.
عمل رائع ومتقن جداً، سلمت أناملكِ على هذا التقديم الجميل والتحليل العميق.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك