الفصل الرابع: ذهب.. وقضبان.
دخل عام وراء عام و بيت نوال، وغياب خالد لم يعد خبرًا جديدًا.
مرت ثلاث سنوات منذ خرج من الإسكندرية. خفت أسئلة الجيران، وتوقفت نوال عن الذهاب إلى الميناء بحثًا عن خبر. صارت رسالته القديمة محفوظة في المصحف.
أما الدين الذي تركه خلفه، فقد تقلص قليلًا بعد سنوات من العمل.
وبالطبع بيع بعض أثاث البيت.
نوال لا تزال تخيط في الورشة، وتغسل الملابس لبعض الأسر، تعود مساءً إلى البيت لتعد الطعام وتتابع ما بقي من شؤونهم.
سمية أكملت تعليمها بصعوبة، وبدأت العمل في مدرسة صغيرة قريبة من الحي.
تعود كل يوم بوجه متعب، لكنها كانت تحب أن تضع راتبها في يدها؛ للمرة الأولى صار لها مال تكسبه بنفسها، تستطيع أن تشتري منه ما تحتاج إليه وأن تساعد أمها دون أن تطلب.
في عصر يوم جمعة، جاءت إحدى قريبات العائلة لزيارتهم، ولم تكن نوال تعرف أن وراء هذه الزيارة طلبًا ليد سمية.
جلست ، ووضعت حقيبتها إلى جوارها:
- ابن أختي سامر عايز سمية.
- بيشتغل إيه؟
- مع أبوه في تجارة مواد البناء. حالته كويس، وهيعيشها أحسن عيشة.
سألتها عن طباعه، وعن أسرته، وعن رأيه في عمل سمية، كانت الخالة تجيب عن بعضها بسرعة، وتتجاوز بعضها الآخر.
قالت:
- يعني، الراجل مش هيخليها تحتاج حاجة.
بقيت نوال صامتة، كانت تريد لابنتها بيتًا آمنًا، لا مجرد بيت فيه مال.
عادت سمية من المدرسة، فأخبرتها أمها بما حدث.
-إيه رأيك؟
- أنا أعرفه من بعيد، بس مش معرفة تخليّني أقول إني عايزاه.
- مش لازم تقرري النهارده.
ساد الصمت بينهما.
سمية تعرف أن البيت يحتاج إلى المال، نوال تعرف أن هذا الاحتياج قد يجعل أي رجل يبدو أفضل مما هو عليه.
في الأيام التالية، تكررت الزيارات العائلية.
كان سامر مهذبًا أمام الكبار، ويتحدث عن المستقبل وكأن كل شيء محسوم.
تحدث سامر عن عمل سمية، وقال أمام نوال إنه لا يمانع أن تعمل، وإن من حقها أن تكمل ما تريد.
في البداية، لم ترَ نوال في كلامه ما يدعو للقلق. لكنها، مع تكرار الزيارات، بدأت تلاحظ تناقضات صغيرة!
يقول أمامها إن عمل سمية لا يزعجه، ثم يتحدث مع والده، فيقول إن الزوجة قد تحتاج بعد الزواج إلى أن تتفرغ لبيتها.
يسأل سمية عن رأيها، ثم يعود ليسألها لماذا تحتاج أصلًا إلى بعض الأشياء التي تريدها، وكأن السؤال عن رغبتها لا يعني بالضرورة أن لها الحق في اتخاذ القرار!
لم تكن تلك الأمور كافية وحدها لتجعل نوال ترفضه، لكنها كانت تكفي لتجعلها تتوقف قليلًا، وتنظر إليه مرة أخرى.
لم تكن لنوال الإشارات كافية وحدها لإيقاف الزواج.
أما سمية، فكانت ترى جانبًا آخر، تعب أمها، وتعرف أن البيت لم يخرج بعد من دائرة الدين.
وربما تخيلت أن الزواج قد يفتح لها بابًا تستطيع من خلاله أن تساعد نوال من بعيد.
حين سألتها أمها إن كانت موافقة:
- هجرب
- بتحبيه؟
هزت رأسها.
- عن نفسي مش عارفة، أنا لسه ما عرفتهوش كفاية.
ترددت نوال.
لكن... الزفاف تم.
.....
فرح بسيط..
قاعة صغيرة قريبة من الحي، فستان متواضع، بعض الأقارب يساعدون في المصاريف.
.....
قبل أن تخرج سمية من بيت أمها، عادت إلى الغرفة التي تربت فيها، نظرت إلى السرير، والكتب، والجدار الذي شهد سنواتها الأولى.
وجدت أمها واقفة عند الباب
احتضنتها طويلًا:
- لو احتجتي ترجعي، ارجعي.
هزت سمية رأسها. وخرجت.
في الأسبوع الأول، بدا كل شيء جيدًا.
كانت الشقة أوسع من بيت نوال، والطعام متوفرًا، والأثاث جديدًا. شعرت سمية أن حياتها بدأت أخيرًا تأخذ شكلًا مختلفًا.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأت الراحة تضيق حولها.
صار سامر يسألها:
- خرجتي إمتى؟
- رجعتي ليه متأخر؟
- مين كانت بتكلمك؟
امتدت أسئلته إلى عملها، وزميلاتها، وكل وقت تقضيه خارج البيت.
وحين أخبرته أنها تريد زيارة أمها، بدأ يجد أسبابًا لتأجيل الزيارة أو تقليلها.
مع ذلك لم يكن هناك باب يُغلق في وجهها، ولا قفل يمنعها من الخروج.
ومع ذلك، بدأت سمية تشعر أن كل خطوة خارج البيت لها ثمن، وأن عليها أن تشرح كل ثانية من يومها.
في إحدى المرات، عادت من المدرسة متأخرة عشرين دقيقة.
لم يسألها أين كانت، بل قال بهدوء:
- الست التي تحترم زوجها لا تتركه ينتظر.
شرحت له أن اجتماعًا في المدرسة أخّرها، لكنه لم يقتنع.
تحول الكلام إلى خصام، ثم أمسك ذراعها بقسوة.
حاولت أن تسحب يدها وصرخت من اللألم.
- وطي صوتك.
ثم جاءت الصفعة.
بقيت سمية واقفة مكانها، لم تبكِ
أما سامر، فعاد إلى جلسته كأن شيئًا لم يحدث.
في تلك الليلة، بقيت سمية في غرفتها وحدها.
تذكرت أمها، وتذكرت البيت الذي كانت تستطيع فيه أن تتنفس دون أن تشرح نفسها لأحد.
لكنها لم تعد تعرف كيف تعود.
مرّت أسابيع.
لم تتحدث عن الصفعة.
لكن سامر استمر في التحكم في خروجها وعملها وعلاقتها بأمها.
وفي يوم أخذ هاتفها لأنها كانت تتحدث إلى صفاء، ثم دفعها حين حاولت استعادته.
سقطت على الأرض، جُرح حاجبها.
هذه المرة عرفت أن الأمر لن يتوقف.
صباح اليوم التالي، ذهبت إلى بيت نوال بدلا من المدرسة.
فتحت لها أمها الباب، ونظرت إلى وجهها.
- تعالي ياسمية.
وبعد دقائق من التقاط أنفاسها.
- ضربك؟
صمتت سمية.
كان الصمت كافيًا.
في اليوم التالي، لم تستطع نوال أن تتجاهل ما حدث.
ذهبت إلى بيت سامر ومعها سمية، وقلبها ممتلئ بالغضب والخوف على ابنتها. كانت تريد أن تفهم ما حدث، وأن تسمع منه بنفسه كيف مدّ يده على سمية كي تقف عند الحقيقة، ويأخذ المخطئ حقه..
استقبلهما سامر بوجه هادئ، كأن شيئًا لم يحدث.
سألته نوال مباشرة عن الصفعة، وعن السبب الذي أوصله إليها.
ظل صامتًا لحظة، ثم قال ببرود:
- ده شأن خاص بيني وبين زوجتي.
- لما ترفع إيدك عليها، مايبقاش خاص.
حاول أن يبرر، وقال إن سمية عنيدة وإن الخلافات تحدث بين الأزواج.
- سمية زوجتي، وأنا أعرف أربيها.
صفعته نوال وهي تقول بصوت عال:
- بنتي ما دخلتش بيتك عشان تتربى على إيدك، بنتي متربية.
ثم التفتت إلى سمية:
- اجمعي حاجتك.
خرجا سويًا لبيت مينا البصل.
نامت سمية في غرفة صفاء، وفي الأيام الأولى لم تكن تعرف ماذا تريد أو إلى أين تمضي.
عادت إلى المدرسة، وبدأت تستعيد شيئًا من إيقاع حياتها القديم.
كانت نوال إلى جوارها، لكنها لم تضغط عليها، وتركت لها الوقت لتقرر.
بعد أسابيع، جاء سامر مع والده وأحد الأقارب. جلسوا أمام نوال وسمية، وتحدثوا عن الإصلاح، وعن فرصة جديدة يمكن أن تُمنح للزوجين.
اعترف سامر إنه أخطأ، وإن ما حدث لن يتكرر.
نظرت إليه نوال طويلًا:
الضرب مش خلاف يا سامر... الضرب إهانة، والراجل اللي يمد إيده على زوجته ما بقاش بيختلف معاها، بقى بيأذيها.
كانت نوال تعرف أن الاعتذار وحده لا يمحو ما حدث، لكن سمية كانت لا تزال تأمل أن ينجح زواجها.
قالت:
- أريد أن أمنحه فرصة أخيرة.
ولم تمر أسابيع كثيرة حتى عاد التحكم والإهانة والسؤء.
في الصباح، حملت حقيبتها وعادت إلى مينا البصل.
وضعتها في منتصف الغرفة:
- مش هارجع.
جلست نوال إلى جوارها، دون سؤال أو لوم.
وضعت أمامها كوب شاي، وبقيت إلى جوارها.
تعرف أن ابنتها لم تعد بحاجة إلى النصيحة، بل إلى مكان تشعر فيه بالأمان.
وبدأت إجراءات الطلاق.
انتهى الزواج بعد أشهر.
خرجت سمية من المحكمة بورقة الطلاق.
وقفت مع أمها تبحثان عن سيارة أجرة.
سمية:
عايزة أبحث عن مدرسة في منطقة مينا البصل.
نظرت نوال إليها مبتسمة:
- نبحث سوا.
ابتسمت سمية بالكاد.
لم تكن الحياة سهلة، ولكنها هذه هي الحياة. حياة سمية.
أول يوم في العمل الجديد، وفور عودة سمية، اقتربت منها نوال واحتضنتها.
- لما تاخدي أول مرتب، اشتري حاجة لكِ.
- الفلوس تنفع للبيت.
- طيب ياست سمية، ساعدي البيت.لكن ما تنسيش نفسك.
في آخر العام، كانت سمية تجلس إلى جوار أمها في المشغل..
أخرجت دفترًا قديمًا من حقيبتها.
فتحت صفحة كتبتها يوم زواجها.
قرأت بصوت منخفض:
(نفسي أعمل حاجة تريح ماما)
ثم أغلقت الدفتر.
وصلت رسالة قصيرة من خالد.
كان قد سمع بما حدث لسمية، وكتب أنه آسف لأنه بعيد.
أعادت نوال الرسالة إلى الدفتر.
وعرفت سمية بها لاحقًا.
مع نهاية العام، كان يوسف قد بدأ يتغير في الاتجاه الآخر.
صار يتأخر في العودة إلى البيت.
وفي إحدى الليالي، جاء رجل غريب يسأل عنه.
طرق الباب.
فتحت نوال.
- يوسف إبراهيم موجود؟
- لأ.
- لما يرجع، قوليله إن عماد عايزه.
نظرت إليه بحذر.
- عماد مين؟
لم يجب.
غادر.
بقيت نوال عند الباب لحظات.
ثم أغلقته.
وعادت إلى الداخل.
منذ تلك الليلة، لم يعد تأخر يوسف مجرد تأخر.
كان هناك شيء في الخارج بدأ يعرف طريقه إلى البيت.
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك