محاكمة جاليليو
في قاعة المحكمة حيث يعبث البرد بروح شيخ، وقف تتخبطه السنون، غير أن عينيه كانتا تتوهجان ببريق لا يخبو. عينان رأتا ما عجزت أبصار غيره عن إدراكه؛ رأتا الشمس قلبا لهذا الكون، والكواكب تتراقص في أفلاكها، أما الكرادلة، المتكئون على عروشهم، لم يكونوا يريدون رؤية الحقائق، بل كانوا يريدون رؤية انحناءة جبينه، أرادوا أن يحني ذلك الرجل رأسه أمام سلطة لا تعرف العلم، سلطة لا تفقه شيئا عن الرياضيات والفلك، لكنها تملأ الدنيا بصوتها العالي وتهديداتها، بل إرهابها بما ينتظرنا بعد الحياة، والذي يمتلكون مفاتيحه وحدهم. وجهت إلى جاليليو تهمة "الهرطقة"، أي إتيان البدع المخالفة لمنظومة المعتقدات المستقرة، وإدخال أفكار أو تعاليم جديدة تخالف الأصول المسلم بها، وتحت تهديد التعذيب والحرق، أُجبر جاليليو، الشيخ الهرم، على الركوع والتوقيع بيد مرتجفة على وثيقة يتبرأ فيها علنا من فكرة دوران الأرض حول الشمس.
كانوا يرددون كلمات الإنجيل وكأنها سيوف مسلولة، بينما كان جاليليو يضرب الأرض بقدمه ويهمس في داخله "ومع ذلك فهي تدور". كان يعرف أنهم لا يفهمون ما يقول، وأن سلطتهم قائمة على الجهل، لكنه كان يعرف أيضا أن الجهل المتسلح بالسلطة لهو أفتك أعداء الحق؛ لأنه لا يدرك جهله، بل يلبس ثوب الحارس الأمين للحقيقة المطلقة. تلك هي صورة السلطة الأبوية العمياء، حين تتخذ من القمع سيفا، وتظن أنها تحمي النظام وهي في الحقيقة تحمي خوفها من المجهول الذي يهدد كراسيها.
تأمل ذلك المشهد البائس، رجل وحيد يواجه كتلة من الثياب واللحى، يحاول أن يشرح أن الأرض ليست مركز الكون، فيُسأل "أتنكر كتاب الله؟" فيجيب "إنني أفسر كلماته، لا أنكرها"، لكنهم لا يريدون تفسيرا، بل يريدون خضوعا كاملا، لأن التفسير باب للشك، والشك باب للحرية، والحرية باب يفضي إلى سقوط العروش. وهكذا، حين تمارس السلطة الأبوية سلطتها على العقول، فإنها لا تحاكم شخصا، بل تحاكم المبدأ نفسه، تحاكم إمكانية أن يكون هناك أفق آخر غير ما رسمته هي، إنها تحاكم غدا لم يولد بعد، وتحكم عليه بالموت قبل أن يرى النور، وكأنها تخشى أن يكبر ذلك الغد فيكبر عليها ويبتلعها.
الأشد إيلام أن تكون السلطة أجهل ممن تمارس سلطتها عليهم، لأن الجهل يولد الخوف، والخوف ينجب القسوة، والقسوة تحت ستار العدالة هي أقبح صور الظلم. الكنيسة التي حاكمت جاليليو لم تكن تحاكم عالما، بل كانت تحاكم جزءا من نفسها تخشى أن تكتشفه، ذلك الجزء الذي يقول: "ربما كنا مخطئين، ربما هناك حقيقة لا نعرفها"، لكن الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة لا تملكها السلطة الأبوية، فهي نشأت على أن الخطأ هو سقوط الهيبة، والهيبة هي كل شيء، حتى ولو كانت على حساب الحقيقة والحق والعدل والعلم. هكذا، تتحول المحاكمة إلى مهزلة تراجيدية، حيث يكون المدعي هو الجلاد، والمتهم ضحية، والحقيقة هي الشاهد الذي يُمنع من النطق، والقانون هو الرغبة في أن يبقى العالم كما ألفوه، كرواية مكتوبة منذ زمن بعيد لا يجوز أن تُزاد فيها كلمة أو تنقص.
ولكن، هل تظن أن تلك المحاكمة انتهت بإطفاء شموع تلك القاعة الحجرية؟ كلا، إنها تتكرر كل يوم في مؤسساتنا، وفي علاقاتنا، حين نصر على أن نكون أباء متسلطين، وحين نرفض أن نرى بعيون أبنائنا، وحين نعتقد أن السلطة تعني ألا نخطئ، بينما هي في الحقيقة تعني أن نعترف بأننا قد نخطئ.
السلطة الأبوية، مهما تجسدت، سواء كانت سلطة أب في منزل صغير، أو دولة في أمة عظيمة، أو مؤسسة دينية تحكم باسم السماء، متى تجردت من العلم وأصمت أذنها عن الإصغاء، تتحول إلى وحش أعمى يخبط في الأرض، يحطم كل ما يعجز عن فهمه، ويكسر كل ما لا يشبهه. هي العين المتعجرفة التي ترى في الاختلاف عداء، والطاغية الذي يعد كل سؤال تمردا، وكل شك خيانة، إنها سلطة تغذي نفسها بالخوف من الآخر، وتبرر قمعها باسم الاستقرار، لكن هذا الاستقرار الذي تبنيه ليس سوى سجن واسع، يسجن فيه العقول والأرواح، ويكتم الأنفاس ويطفئ الأضواء. في العصور الوسطى، كانت الكنيسة تجسد هذا النموذج بكل تفاصيله، حين كانت تحتكر تفسير الكون وتأويل النصوص، وحين كانت ترسل كل من يختلف معها إلى محارق التفتيش، أو إلى سجون لا تشرق فيها شمس الحرية. كانت تعتبر نفسها صورة الله على الأرض وأم البشرية، لكنها كانت أما عقيما لا تلد إلا الخوف، أما الذين كانوا تحت سلطتها، فكانوا أطفالا يخافون أشباحا، ولا يجرؤون على رفع رؤوسهم إلى السماء ليروها كما هي، لأنها كانت سماء الكنيسة، لا السماء الحقيقية كما خلقها الله، تملؤها النجوم.
إن السلطة الجاهلة لا تعرف أن السؤال هو بداية الطريق، وأن الاختلاف ليس فتنة بل ثراء. إنها تخاف من النور لأنها تعيش في ظلام دامس، وتخاف من السؤال لأن الإجابة قد تهز عرشها، وتخاف من الاختلاف لأنها لا تعرف كيف تجلس مع المختلف على مائدة الحوار، فتفضل أن تحرق المائدة بمن عليها. وهكذا، حين كان جاليليو يحاول أن يشرح لهم أن الأرض تدور، لم يكونوا يسمعونه، ولم يكونوا يريدون أن يسمعوه، لأن سماعه يعني أن يعترفوا بأنهم كانوا مخطئين طوال قرون، وأن سلطتهم كانت مبنية على وهم، وهذا الاعتراف كان أصعب عليهم من الموت نفسه.
ولكن ما هو مصير المجتمعات التي تخضع لسلطة أبوية عمياء وجاهلة؟ إنها تتحول إلى حقول جرداء، تنمو فيها الأعشاب الضارة وتذبل أشجارها بلا ثمر. تنشأ فيها عقليات مكسورة، لا تعرف كيف تبتكر أو تبدع، ولا كيف تسأل، ولا كيف تعترض. وكلما ازدادت السلطة الجاهلة في قمعها، ازدادت الأرض جفافا، حتى لا يبقى فيها سوى أشباح الخوف تطارد الأحلام. لكن في أحلك لحظات هذه السلطة، يحدث أن يولد بعض الشجعان، كجاليليو، كابن رشد، كأولئك الذين رفضوا أن ينحنوا أمام الجهل، واختاروا أن ينيروا شمعة في وجه العاصفة.
نعم هم نادرا ما ينتصرون في حروبهم، لأن السلطة العمياء لا تسمح للنور أن يبقى مشتعلا لفترة طويلة، فهي تطفئ الشموع واحدة تلو الأخرى، وتدعي أنها تحمي الناس من الحريق، لكن، تبقى الحقيقة كالنهر، تجد طريقها إلى البحر مهما اعترضتها الصخور والسدود. وتظل السلطة الجاهلة تنهار تحت وطأة جهلها، كما انهارت الكنيسة في العصور الوسطى أمام مد العلم الحديث، وكما تنهار كل دولة تظن أن القمع يمنحها البقاء، وكل مؤسسة تظن أن التكفير هو الطريق إلى تقديسها. إن السلطة الأبوية التي لا تعرف أن تستمع، والتي لا تعرف أن تقول "لا أعلم"، هي سلطة تحتضر منذ ولادتها؛ فالجهل ليس أساسا يبنى عليه، بل هو هشيم يشتعل وينطفئ. وحين ننظر إلى العالم، نرى بقايا تلك السلطة في كل مكان، في بعض الدول التي تسجن المفكرين، وفي بعض المؤسسات التي ترفض التجديد. لكننا نرى أيضا جاليليو جديدا في كل زاوية، شخصا يرفع صوته ويقول: "ومع ذلك فهي تدور". ربما يكون هذا الشخص بيننا الآن، ربما يكون أنت، أو أنا، أو ذلك الجار الهادئ الذي لا نعرف شيئا عن أحلامه. ولكن الأكيد أن صوت جاليليو لا يزال حاضرا، وأن كل كلمة قالها رغم المحاكمات لا تزال تتردد في أرواح من يرفضون الاستسلام للطغيان المتسلط بكل صوره.
وتبقى السلطة الأبوية العمياء هي القصة الأكثر مأساوية في تاريخ البشرية، قصة من يملكون القوة ولا يملكون الحكمة، من يمتلكون الصوت العالي ولا يمتلكون القدرة على الإصغاء، يتيهون في متاهات جمودهم بينما الزمن يدور ولا يلتفت إلى محاكماتهم الباطلة، إلا بالسخرية من نافذة التاريخ.
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك