من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سيرة وتراث العلامة أحمد محمد شاكر.. إمام من أئمة الحديث في العصر الحديث ومجدد في القضاء الشرعي

القاهرة: خالد بيومي
سيرة وتراث العلامة أحمد محمد شاكر.. إمام من أئمة الحديث في العصر الحديث ومجدد في القضاء الشرعي


​تُمثّل الشخصيات العلمية التي جمعت بين رصانة التراث ودقة المنهج علامات فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث.

ويبرز اسم العالم المصري الجليل أحمد بن محمد شاكر بن أحمد عبد القادر (1892 – 1958م) كواحد من أبرز هؤلاء الأعلام الذين تركوا بصمة خالدة في علوم الحديث الشريف، وتفاسيره، وتحقيق نصوص التراث الإسلامي، فضلاً عن مسيرته القضائية الحافلة بالاجتهاد والشجاعة في قول الحق.  

اشتُهِرَ العلامة المصري أحمد بن محمد شاكر - رحمه الله - بأنه محدّث، لكنّ بعضنا ربما لا يدري أنه بارع في الفقه والتفسير والعقيدة والسيرة والأدب، وله كتب عديدة في عدد من فنون الشريعة والعربية، ومن ذلك تحقيقه لكتب العربية ومنها: الشعر والشعراء، والأصمعيات، والمفضليات، والكامل وغيرها.

​النشأة والمسار التعليمي:

بين أروقة الأزهر وأسفار السودان

​وُلِد الشيخ أحمد محمد شاكر بالقاهرة، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبوه هو الشيخ محمد شاكر، وكيل الأزهر الأسبق. في طفولته، انتقل مع والده إلى السودان إثر تعيين والده قاضياً للقضاة هناك سنة 1317هـ / 1900م، حيث التحق بكلية غوردون.  

​وعقب عودته إلى مصر، واصل مسيرته التعليمية الحافلة؛ فالتحق بمعهد الإسكندرية، ثم التحق بالأزهر الشريف، وحاز شهادة "العالمية" سنة 1334هـ / 1917م. تدرّج بعد ذلك في السلك القضائي، فعُيِّن موظفاً قضائياً ثم قاضياً، وظل في منصبو القضائي لنحو ثلاثة عقود، حتى أُحيل على التقاعد سنة 1951م عضواً بالمحكمة العليا الشرعية، وتوفي بالقاهرة يوم السبت 26 من ذي القعدة سنة 1377هـ الموافق 14 يونيو 1958م.  

​شيوخه والأثر العلمي العميق

​تلقى الشيخ أحمد شاكر العلم على أيدى نخبة من كبار علماء عصره؛ فقد تأثر مبكراً بشيخه في معهد الإسكندرية "محمد أبو دقيقة"، الذي حبّب إليه الفقه وأصوله. كما تلقى العلم عن أبيه الشيخ محمد شاكر، وأخذ التفسير والحديث والفقه الحنفي والمنطق، قبل أن يتوجّه بدراسة علم الحديث منذ سنة 1909م، ليكون أول اهتمامه قراءة "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، ثم "صحيح مسلم"، و"سنن الترمذي"، و"الشمائل"، وشيئاً من "صحيح البخاري".  

​وقد امتدت رحلته العلمية لتشمل مجايلين وكبار علماء عصره ممن لقيهم وأخذ عنهم وأجازوه، ومنهم:

​السيد عبد الله بن إدريس السنوسي (عالم المغرب ومحدثه).  

​الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي.  

​الشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي.  

​الشيخ شاكر العراقي.  

​الشيخ طاهر الجزائري.  

​السيد محمد رشيد رضا (صاحب مجلة "المنار").  

​وقد أثنى عليه العلماء إجلالاً لمكانته؛ حيث قال أخوه الصغير الشيخ محمود محمد شاكر في حقه: «إمام من أئمة علم الحديث في القرن، وهو أحد الأفراد القلائل الذين درسوا الحديث النبوي في زماننا دراسة وافية قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة العلم في القرون الأولى».  

​مواقف قضائية جريئة واجتهادات فقهية بارزة

​تولى الشيخ القضاء في مصر لأكثر من ثلاثين سنة، عُرف فيها بأنه «غير مقلد ولا متبع»، بل كان اجتهاده مبنياً على سعة معرفته بالسنّة النبوية. وتميز بدفاعه المستميت عن أحكام الإسلام وآدابه، ومن أبرز مواقفه شجاعته في إعلان الرجوع عن بعض آرائه القديمة حين يتبين له الحق؛ ومن ذلك تراجعه عن معارضة رأي الإمام محمد مصطفى المراغي في مسألة إثبات الأهلة بالرؤية الفلكية بدلاً من الحساب الفلكي، حيث كتب مقالات تؤيد رأي والده في البداية، ثم تبين له بالتحقيق والتأني صحة وجهة نظر الشيخ المراغي، فأعلن صراحة انتصاره لرأيه في رسالة كتبها في حياة أبيه.  



​إسهاماته الكبرى في خدمة التراث الإسلامي وتحقيق الكتب

​ترك الشيخ أحمد شاكر إرثاً علمياً ضخماً من المؤلفات والتحقيقات القيّمة التي غيرت وجه تحقيق التراث في العصر الحديث، ويبرز من أعماله:

​في التأليف:

​كتاب "نظام الطلاق في الإسلام": دلّ فيه على اجتهاده وعدم تعصّبه لمذهب معين، واستخرج منه نظام الطلاق من نص القرآن ومن بيان السنة في الطلاق، وترك الكتاب صدى عاصفاً في حينه.  

​كتاب "كلمة الحق": يضم مجموعة من مقالاته التي نشرها في مجلة "الهدي النبوي" التي كان يرأس تحريرها.  

​في تحقيق التراث ونشره:

​مسند الإمام أحمد (القاهرة 1377هـ - 1957م): وهو يعتبر أهم أعماله العلمية التي عمل عليها إلى أن وافته المنية، ونشر خمسي الكتاب في 15 مجلداً، حيث بلغت الأحاديث التي ضبطها وحققها 8100 حديث من المسند الذي يبلغ عدد أحاديثه حوالي 40,000 حديث. (وتوفي رحمه الله بعد أن حقق 680 حديثاً من المجلد السادس عشر، وأتم البقِيّة الدكتور عبد المجيد هاشم).  

​الجامع الصحيح للترمذي، وغيره من كتب السنة والنصوص الإسلامية المطبوعة التي أثرى بها المكتبة الإسلامية بضوابط دقيقة وأحكام نقدية متقنة.  

س​يظل الشيخ أحمد محمد شاكر رمزاً للعلماء العاملين الذين جمعوا بين صلابة المنهج السلفي في الحديث ودقة التحقيق العلمي، ليترك للأمم الإسلامية تراثاً حياً لا ينقطع نفعه.

#نقاش_الإخباري 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11985
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.