فيلم «الشياطين»: حين تُحاكَم الرغبة باسم الإيمان
فيلم كين راسل الذي واجه الفاتيكان والرقابة، ثم عاد بعد 55 عاماً كما أراده مخرجه
يُعد فيلم «الشياطين» (The Devils)، الذي أخرجه البريطاني كين راسل عام 1971، من أكثر الأعمال إثارة للجدل في تاريخ السينما. يروي الفيلم قصة كاهن فرنسي يُحاكَم ظلماً بتهمة تسليط الشياطين على راهبات، ويكشف كيف تتحول السلطة الدينية والسياسية إلى أداة للانتقام حين يُفرَّغ الدين من مضمونه الأخلاقي. وفي 2026 عاد الفيلم إلى دور العرض بنسخة مرمَّمة كاملة، بعد عقود من الحذف والحجب.
الواقعة التاريخية
تستند الأحداث إلى قضية حقيقية شهدتها مدينة لودون الفرنسية عام 1634. اتهمت الأخت جان دي زانج، رئيسة دير الأورسولين، الكاهن أوربان غرانديه بأنه سلّط الشياطين عليها وعلى راهبات الدير. انتهت القضية بمحاكمة صورية وتعذيب علني، ثم أُحرق غرانديه حياً في 18 أغسطس 1634.
يرى المؤرخون أن القضية لم تكن دينية خالصة. فقد كان غرانديه هدفاً للكاردينال ريشيليو، الذي سعى إلى ترسيخ السلطة الملكية والدينية. ويقدّم الفيلم غرانديه إنساناً غير بريء من كل وجه، إذ يخرق نذر العفة لكنه رجل صالح في جوهره. وهذه المفارقة تمنح العمل عمقه الأخلاقي، فهو لا يكتفي بثنائية الجلاد والضحية.
مصادر العمل
اعتمد راسل في الفيلم على مصدرين رئيسيين: كتاب «شياطين لودون» (1952) للكاتب البريطاني ألدوس هكسلي، ومسرحية «الشياطين» (1960) للكاتب جون وايتنغ. وتُعد دراسة المؤرخ الفرنسي ميشيل دي سرتو «الحيازة في لودون» من أهم المراجع الأكاديمية حول الواقعة.
الأداء والإخراج
جسّد أوليفر ريد دور غرانديه، وقدمت فانيسا ريدغريف دور الأخت جان بأداء يمزج الهوس الجسدي بالكبت النفسي. وصمّم الفنان ديريك جارمان للفيلم مدينة بيضاء شاسعة ذات طابع حداثي صارم، وهي أكبر ديكور أُقيم في استوديوهات باينوود منذ فيلم «كيلوباترا». وألّف موسيقاه بيتر ماكسويل ديفيز.
ويصف راسل، وهو كاثوليكي اعتنق المذهب في شبابه، رؤيته للفيلم بقوله: «بالنسبة لي كان الفيلم عن غسيل الأدمغة، وعن استحواذ الدولة».
ردّ فعل الكنيسة: من التحفّظ إلى الإدانة
لم يكن موقف المؤسسة الكاثوليكية كتلة واحدة. فقبل العرض، استعان راسل بالقس جين فيليبس، وهو كاهن كاثوليكي شاهد نسخة أولية من الفيلم. وكتب رقيب هيئة التصنيف البريطانية جون تريفيليان إلى فيليبس أن راسل وضعهم أمام مشكلات صعبة، وتوقّع أن المكتب الكاثوليكي سيجد بعض المشاهد غير مقبولة بمعاييره.
عُرض الفيلم في مهرجان البندقية يوم 28 أغسطس 1971، وعندها ندّد الفاتيكان به وطالب باستقالة مدير المهرجان.
وطبقا لتقارير صحفية، اقتصر العرض على الصحفيين، وأُلغي العرض الجماهيري المقرر تفادياً للاحتجاجات. ووصفت صحيفة «لوسيرفاتوري رومانو» الفاتيكانية الفيلم بأنه «إهانة للسينما». واتهمته بتوظيف مشاهد وأصوات فاحشة غير مسبوقة لتصوير الكنيسة، في الماضي والحاضر، كأداة قمع سياسي.
وانتقلت الحملة إلى بريطانيا، إذ تعرّض رئيس هيئة الرقابة الجديد ستيفن مورفي لحملة رسائل من «الجمعية الكاثوليكية في سيفنأوكس». وتذكر تقارير أن حملة الكنيسة قبل صدور الفيلم أفزعت شركة وارنر براذرز. وفي الصحافة، كتب الناقد ألكسندر ووكر أن الفيلم «فاحش بشكل وحشي».
ومن ناحية أخرى يرى كثير من النقاد أن الفيلم معادٍ للكنيسة لكنه ليس معادياً للدين. وقال راسل، بحسب «نيويورك تايمز» عام 1972، إنه مندهش من أن بعض الناس لم يروا أن الفيلم عمل ديني.
الرقابة والحجب
أُجيز الفيلم في بريطانيا بتصنيف (X) في مايو 1971 مع حذوفات واسعة. وأشهر المحذوفات مشهد «اغتصاب المسيح»، وقد حُذف بالكامل من نسخة راسل قبل العرض. ومُنع الفيلم في دول عدة، وظل محظوراً في فنلندا حتى عام 2001.
ونال الفيلم في البندقية جائزة أفضل فيلم أجنبي، وجائزة أفضل مخرج من المجلس الوطني للمراجعة الأمريكي، رغم النقد الحاد الذي لقيه في صحافة ذلك العام.
وفي عام 2002 قدّم الناقد مارك كيرمود الوثائقي «جحيم على الأرض» الذي تتبّع رحلة الفيلم وما تعرّض له من حذف وتجاهل رسمي.
ويروي مؤرخو الفيلم أن راسل اعتقد أن لقطات المشهد المحذوف دُمّرت، إلى أن عثر كيرمود بعد سنوات من البحث على علبة فيلم تحتويه.
النسخة المرمَّمة: بعد 55 عاماً
بعد عقود من رفض وارنر توزيع النسخة الكاملة، أعلنت الشركة في مايو 2026 ترميم الفيلم. أُنجز الترميم بتقنية 4K من النيجاتيف الأصلي، وعُرض في قسم «كلاسيكيات كان».
وأقيم العرض تحت راية «كلوك وورك»، الذراع الجديدة لوارنر المتخصصة في الأعمال الكلاسيكية، وكان الفيلم أول ظهور رسمي لها.
وتشير مصادر صحفية إلى أن الترميم اعتمد على نسخة راسل النهائية لعام 2004، بالتعاون مع مونتير الفيلم مايكل برادسل.
قدّم الفيلمَ في كان مارك كيرمود وأرملة المخرج إليز راسل، وأشاد كيرمود بقرار وارنر إصدار النسخة الكاملة وبعمل الترميم.
وبحسب التقارير، تضمّن العرض مشهد «اغتصاب المسيح» ولقطات مشاهد السجن المحذوفة سابقاً.
وعُرض الفيلم في أمريكا الشمالية لمدة أسبوع بدءاً من 16 أكتوبر 2026، وفي بريطانيا وأيرلندا عبر معهد الفيلم البريطاني يوم 30 أكتوبر. وحصل على تصنيف NC-17 بسبب المحتوى الجنسي والعري الصريح. وذكرت ويكيبيديا أن النسخة لقيت إشادة نقدية ونجاحاً جماهيرياً دفع الشركة إلى تمديد العرض.
وأثار الإعلان عن العرض ردود فعل جديدة، إذ أطلقت جماعة «العودة إلى النظام» الكاثوليكية المحافظة عريضة تطالب دور العرض بعدم استضافة الفيلم.
جديربالذكر، أن هناك مراجعات نقدية أفادت أن أشهر مشاهد الفيلم لم تعد تصدم المشاهد المعاصر كما كانت. وبذلك تحوّل الجدل من «هل يُسمح بعرضه؟» إلى «ماذا يعني أن يصبح الممنوع تراثاً؟».
القراءة النقدية
ينتصر الفيلم لفكرة أن الدين حين يُفرَّغ من مضمونه الأخلاقي يتحول إلى قناع. فالرغبة المكبوتة في الدير تتحول إلى هوس جماعي، والسلطة السياسية تستثمر هذا الهوس لتصفية خصم.
والمفارقة التي يقدمها راسل أن غرانديه يخرق قواعد الكنيسة لكنه رجل صالح، بينما الأخت جان تلتزم بها وتسبب الأذى. ولذلك رأى بعض النقاد أن الفيلم دفاع عن جوهر الإيمان لا هجوم عليه.
المراجع:
Aldous Huxley, The Devils of Loudun (1952)
Michel de Certeau, The Possession at Loudun
Mark Kermode, Hell on Earth: The Desecration and Resurrection of The Devils (2002)
BFI Sight & Sound, "Sick and kinky: The BBFC and Ken Russell's The Devils"
The Conversation, "Possessed nuns and sexual deviance: the history behind Ken Russell's highly-censored film The Devils"
Deadline, تغطية عرض كان وإعلان «كلوك وورك» (مايو ويونيو 2026)
Letterboxd Journal, "Behold the Holy Grail: the scandal, suppression and salvation of Ken Russell's The Devils"
#نقاش_الإخباري

التعليقات
أضف تعليقك