من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الإيصال المحفوظ في الدرج.. لماذا نتمسك بأشياء انتهى دورها في حياتنا؟

د.عزة البنداري
الإيصال المحفوظ في الدرج.. لماذا نتمسك بأشياء انتهى دورها في حياتنا؟


في أحد أدراج المكتب، قد تجد إيصالًا قديمًا لجهاز اشتريته قبل سبع سنوات. الجهاز تعطل منذ زمن، وربما لم تعد تتذكر أين انتهى به الأمر، لكن الإيصال ما زال موجودًا، مطويًّا بعناية، بجوار شواحن لا تعرف لأي هاتف تنتمي، ومفاتيح لا تتذكر أي باب كانت تفتح.

تفتح الدرج أحيانًا، تنظر إلى محتوياته، وتفكر في التخلص منها، ثم تتراجع بحجة معتادة: «ربما أحتاجها يومًا».

لكن هل نحتفظ بهذه الأشياء فعلًا لأننا قد نحتاج إليها، أم أن هناك أسبابًا أخرى لا ننتبه إليها؟

حين تصبح الأشياء أكثر من مجرد أشياء

ليست كل الأشياء التي نحتفظ بها ذات قيمة مادية أو عملية. بعضها يرتبط بذكريات، وبعضها يذكّرنا بأشخاص أو أماكن أو مراحل من حياتنا، وبعضها لا يحمل أي أهمية واضحة، ومع ذلك نشعر بتردد غريب كلما فكرنا في التخلص منه.

قد يكون الإيصال مجرد ورقة، لكنه يذكّرنا بوقت كنا فيه متحمسين لشراء شيء جديد. وقد يكون المفتاح بلا فائدة، لكنه يعود بنا إلى بيت قديم عشنا فيه سنوات، أو سيارة رافقتنا في مرحلة من العمر.

هنا لا نتمسك بالشيء نفسه بقدر ما نتمسك بما يمثله لنا. فالأشياء أحيانًا تتحول إلى حاويات صغيرة للذكريات، وتصبح جزءًا من الطريقة التي نستعيد بها ماضينا ونحافظ على صلتنا به.

الخوف من النهايات

التخلص من الأشياء القديمة قد يبدو فعلًا بسيطًا، لكنه يحمل أحيانًا معنى أعمق؛ فهو يجبرنا على الاعتراف بأن شيئًا ما انتهى بالفعل.

لم يعد ذلك البيت بيتنا، ولم تعد تلك الوظيفة جزءًا من يومنا، ولم تعد بعض العلاقات كما كانت، وربما لم نعد نحن الأشخاص أنفسهم الذين كناهم عندما اشترينا ذلك الجهاز أو احتفظنا بتلك الورقة.

نحن لا نحب دائمًا الاعتراف بالنهايات، حتى عندما نكون قد تجاوزناها بالفعل. لذلك قد نحتفظ بأشياء لا نحتاج إليها، وكأن وجودها يمنحنا شعورًا بأن الماضي لم يبتعد تمامًا.

لكن الذكريات لا تحتاج إلى أن نحتفظ بكل ما يرتبط بها، كما أن انتهاء مرحلة لا يعني أن ما عشناه فيها أصبح بلا قيمة.

متى يتحول الاحتفاظ إلى عبء؟

المشكلة ليست في الاحتفاظ بتذكار أو اثنين، ولا في حب الأشياء المرتبطة بذكريات جميلة. فذلك جزء طبيعي من علاقتنا بتجاربنا الشخصية.

لكن الأمر يستحق الانتباه عندما تتحول الأشياء المتراكمة إلى عبء، وعندما يصبح التخلص من أي شيء مصدرًا للقلق أو الشعور بالذنب، حتى لو كان بلا فائدة أو قيمة حقيقية.

قد يمتلئ الدرج بأشياء انتهى دورها، وتظل مساحته مشغولة بما لم يعد يخدم حاضرنا. والمفارقة أننا أحيانًا ننشغل بحماية ما مضى إلى درجة لا ننتبه فيها إلى المساحة التي نحتاجها لما هو قادم.

وهنا يصبح السؤال مهمًّا: هل نحتفظ بهذه الأشياء لأننا نحبها فعلًا، أم لأننا نخشى التخلي عنها؟

أن نترك مساحة لما يأتي

ربما لا نحتاج إلى التخلص من كل ما هو قديم، ولا إلى التعامل مع الذكريات باعتبارها أشياء ينبغي تجاوزها بسرعة. لكننا نحتاج إلى التمييز بين ما نحتفظ به لأنه يحمل معنى حقيقيًّا، وما نحتفظ به لمجرد أننا اعتدنا وجوده.

يمكننا أن نحتفظ بصورة واحدة بدلًا من صندوق كامل، أو بتذكار له قيمة خاصة بدلًا من عشرات الأشياء التي لا نعرف لماذا نحتفظ بها.

والأهم أن ندرك أن التخلي عن الأشياء لا يعني إنكار الماضي، وأن ترك بعض التفاصيل خلفنا لا يقلل من قيمتها أو من أثرها في حياتنا.

فليس كل ما كان مهمًّا في وقت ما يجب أن يظل معنا إلى الأبد.

وربما نحتاج أحيانًا إلى فتح أدراجنا القديمة، لا لترتيبها فقط، بل لنسأل أنفسنا: ما الذي أحتفظ به لأنني أحتاج إليه، وما الذي أحتفظ به لأنني لم أتعلم بعد كيف أتركه؟

فبعض الأشياء ينتهي دورها، ويظل أثرها فينا. وهذا وحده قد يكون كافيًا.

#نقاش_الإخباري 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11995
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.