حين تتطامن الجباه أمام رسول الله.. عبقرية عمر في ميزان العقاد
ليست العظمة أن يهابك الناس، بل أن تعرف متى تنحني هيبتك أمام عظمة أكبر منك، وأن تدرك أن القوة الحقيقية لا تنتقص حين يعترف صاحبها بفضل غيره، بل تزداد رفعة وسموًّا.
هذه الفكرة تفتح لنا بابًا من أبواب كتاب «عبقرية عمر» لعباس محمود العقاد، حين يتأمل شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بالقوة والحزم والعدل، والذي كان حضوره يفرض على من حوله قدرًا من الهيبة، حتى إن العقاد يصوّر أثر النبي صلى الله عليه وسلم في النفوس بقوله إن الجباه تتطامن أمامه، وأولها جبهة عمر.
في هذه الصورة الأدبية المكثفة تكمن مفارقة تستحق التأمل. فعمر الذي لم يكن رجلًا سهل الانقياد، والذي عُرف بقوة إرادته ووضوح موقفه وصلابة شخصيته، يقف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام مختلف؛ مقام الإيمان والمحبة والاتباع والاعتراف بمكانة النبوة.
لم تكن هيبة عمر مجرد مظهر خارجي، ولم تكن قوته صخبًا أو استعراضًا. كان رجلًا يمتلك من الحضور ما يجعل الآخرين يحسبون لكلماته حسابًا، لكنه عرف أن هناك مقامًا لا تقاس عظمته بموازين القوة البشرية وحدها. أمام النبي، تتراجع الأنا، ويصبح الاعتراف بالحق أرفع من التمسك بالمكانة.
وهنا يلمس العقاد جانبًا من عبقرية عمر: أن القوة لا تعني الاستغناء عن الآخرين، وأن الشخصية المستقلة لا تفقد استقلالها حين تختار الطاعة عن اقتناع، وأن الرجل العظيم قد يبلغ ذروة عظمته حين يعرف لمن يمنح ثقته، وأمام من يضع كبرياءه جانبًا.
لقد كان عمر قبل إسلامه صاحب شخصية قوية، ثم جاء الإسلام فغيّر وجهة هذه القوة، ولم يلغها. لم يتحول الرجل الصلب إلى شخصية بلا إرادة، ولم يفقد حسه بالعدل أو قدرته على الحسم. إنما أصبحت القوة في خدمة العقيدة، وأصبح الحزم محكومًا بمبادئ، وصارت الشجاعة مسؤولية لا مجرد اندفاع.
ومن هنا نفهم العلاقة بين عمر ومحمد صلى الله عليه وسلم. لم تكن علاقة رجل قوي برجل أقوى منه بالمعنى المادي، بل علاقة إنسان أدرك أن أمامه رسالة تتجاوز حدود الفرد، وأن قيمة الإنسان لا تكتمل بمجرد امتلاك القوة، وإنما بما يختار أن يضع هذه القوة في خدمته.
إن العبارة التي ينقلها العقاد تفتح كذلك بابًا لفهم طبيعة القيادة. فالقائد الحقيقي لا يحتاج إلى إلغاء شخصيات من حوله حتى يثبت مكانته، ولا يصبح أتباعه عظماء حين يفقدون إرادتهم، بل حين يعرفون كيف يوظفون إرادتهم في سبيل الحق. وكان عمر، بما امتلكه من شخصية قوية، قادرًا على أن يكون رجل دولة وقضاء وإدارة، لأن القوة التي يحملها لم تكن نقيضًا للإيمان، بل أصبحت أحد ميادين العمل به.
وفي سيرة عمر مواقف كثيرة تكشف هذه الروح. فقد كان يسأل ويستوضح، ويعلن رأيه، ويجتهد في فهم ما يعرض له من أمور، ولم يكن إيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم يلغي طبيعته التي تميل إلى الصراحة والحسم. كانت علاقته بالرسول علاقة تربية روحية وأخلاقية، يتعلم فيها كيف يضبط القوة بالحق، وكيف يجعل الشجاعة خادمة للعدل، وكيف يتحول الحزم من صفة شخصية إلى مسؤولية تجاه الناس.
ولعل هذا ما يجعل قراءة العقاد لعمر جديرة بالعودة إليها؛ فالعقاد لا يتوقف عند الوقائع وحدها، بل يحاول أن ينفذ من الوقائع إلى الشخصية، ومن الموقف العابر إلى المعنى الإنساني الذي يكمن وراءه. إنه يسأل، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: ما الذي يجعل رجلًا قويًا عظيم الحضور يعترف بعظمة رجل آخر؟ وما الذي يحدث للإنسان حين يلتقي بقيمة يؤمن أنها أسمى من مصلحته الشخصية وكبريائه؟
الإجابة ليست في ضعف عمر، وإنما في فهمه للقوة. فهناك فرق بين أن تخضع خوفًا، وأن تنحني احترامًا، وبين أن تتنازل عن كرامتك، وأن تعرف قدر من أمامك. الأول قد يكون نتيجة إكراه، أما الثاني فهو اختيار أخلاقي يصدر عن وعي وإيمان.
وليس المقصود أن عمر كان وحده من عرف هذه الهيبة، أو أن سائر الصحابة لم يدركوها؛ فمكانة النبي صلى الله عليه وسلم كانت عظيمة في نفوس أصحابه جميعًا، ولكل منهم طريقته في التعبير عن محبته وتوقيره. إنما يختار العقاد عمر تحديدًا لأن المفارقة تبدو أكثر وضوحًا حين نتأمل رجلًا اشتهر بالقوة والصرامة، ثم نراه في حضرة النبوة نموذجًا للخضوع الواعي للحق.
وهنا تتجلى إحدى أهم حقائق التاريخ: أن الشخصيات العظيمة لا تُفهم من خلال صفة واحدة. فلا يكفي أن نقول إن عمر كان قويًا، أو عادلًا، أو شجاعًا؛ بل ينبغي أن نرى كيف اجتمعت هذه الصفات في رجل واحد، وكيف أعادت التجربة الإيمانية توجيهها، حتى أصبحت جزءًا من مشروع حضاري أوسع من حياته الفردية.
لقد عرف التاريخ رجالًا امتلكوا القوة، لكنه عرف أيضًا رجالًا استخدموها للاستبداد وإخضاع الآخرين. والفارق بين الفريقين ليس في مقدار القوة، بل في المرجعية التي تحكمها. وحين تصبح القوة خاضعة للحق، تستطيع أن تحمي الضعيف، وتمنع الظلم، وتدافع عن الكرامة. أما حين تتحرر من كل قيد أخلاقي، فإنها تتحول إلى أداة للبطش مهما ارتفعت شعارات أصحابها.
من هنا لا تبدو عبارة العقاد مجرد وصف لمشهد من مشاهد السيرة النبوية، بل تصبح مدخلًا إلى سؤال معاصر: هل يستطيع الإنسان القوي أن يعترف بسلطة الحق فوق سلطته؟ وهل يستطيع صاحب المنصب أن يضع العدل فوق مصلحته، وصاحب المعرفة أن يضع الحقيقة فوق غروره، وصاحب النفوذ أن يتذكر أن قيمته لا تقاس بعدد من يخشونه؟
إن درس عمر لا يكمن في أن يكون الناس خائفين منه، بل في أن يعرف هو نفسه متى تكون القوة فضيلة، ومتى يكون التواضع فضيلة أكبر. فالتواضع أمام الحق لا ينتقص من الهيبة، بل يمنحها أساسًا أخلاقيًا، والاعتراف بفضل الآخرين لا يسلب الإنسان مكانته، بل يكشف عن اتساع نفسه.
لقد اجتمعت في عمر بن الخطاب قوة الشخصية وقوة الإيمان، وكان حضوره في التاريخ شاهدًا على أن الإنسان يمكن أن يكون شديدًا في الحق، رحيمًا بالناس، حازمًا في المسؤولية، متواضعًا أمام ما يؤمن بقداسته. وهذه ليست صفات متناقضة، بل وجوه متعددة لشخصية نضجت حين وجدت غايتها.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت عظمته في قدرته على أن يغيّر الإنسان من الداخل، وأن يمنح القوة معنى، والشجاعة وجهة، والسلطة مسؤولية. ومن هذه الزاوية نفهم لماذا كانت هيبته تتجاوز مجرد المظهر، ولماذا ظل أثره حاضرًا في نفوس أصحابه وفي الذاكرة الإنسانية عبر القرون.
إن الجباه التي تتطامن أمام الحق ليست جباهًا مهزومة، وإنما جباه عرفت قيمة ما تقف أمامه. وإذا كانت جبهة عمر، في تصوير العقاد، أول تلك الجباه، فإن المغزى الأعمق ليس أن الرجل العظيم قد انحنى، بل أنه عرف أن العظمة الحقيقية لا تبدأ من الرأس المرفوع وحده، وإنما من القلب الذي يعرف الحق، ويملك شجاعة الاعتراف به.
تلك هي إحدى دلالات عبقرية عمر: أن القوة حين تتصل بالإيمان تصبح مسؤولية، وأن الهيبة حين يحكمها التواضع تصبح احترامًا، وأن الإنسان لا يبلغ تمام عظمته حين يفرض نفسه على العالم، بل حين يعرف كيف يضع نفسه في خدمة ما هو أعظم منه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك