من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

يوليسيس.. حين تتحول القراءة إلى مغامرة فوق حدود العقل

د.حسين عبدالبصير
يوليسيس.. حين تتحول القراءة إلى مغامرة فوق حدود العقل



هناك كتب نقرأها، وهناك كتب تقرؤنا من الداخل، تقتحم عقولنا، وتربك أفكارنا، وتختبر قدرتنا على الاحتمال، ثم تتركنا بعد الانتهاء منها أشخاصًا مختلفين عما كنا عليه قبل فتح صفحاتها. ورواية «يوليسيس» للكاتب الأيرلندي جيمس جويس تنتمي إلى النوع الثاني. إنها ليست مجرد رواية تقرأها، بل مغامرة أدبية وذهنية قد تخرج منها منتصرًا أو منهكًا، وربما الاثنين معًا.


منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه دخل عالمًا لا يشبه عوالم الرواية التقليدية. لا توجد حكاية تسير في خط مستقيم، ولا شخصيات تتحرك وفق قواعد السرد المألوفة، ولا راوٍ يمسك بيد القارئ ليشرح له كل شيء. هنا يترك جويس قارئه في مواجهة الحياة مباشرة، بكل فوضاها، وتناقضاتها، وأفكارها المتشابكة، وأسرارها الصغيرة والكبيرة.


صدرت «يوليسيس» عام 1922، وأصبحت واحدة من أهم الروايات التي غيرت تاريخ الأدب العالمي في القرن العشرين. استلهم جويس بناءها العام من ملحمة «الأوديسة» للشاعر اليوناني القديم هوميروس، لكنه نقل الرحلة الأسطورية من البحار والجزر والوحوش إلى شوارع دبلن ومقاهيها وحاناتها وبيوتها. لم يعد البطل أوديسيوس ملكًا يخوض رحلة أسطورية طويلة للعودة إلى وطنه، بل أصبح ليوبولد بلوم رجلًا عاديًا يهوديًا يعمل في مجال الإعلانات، يقضي يومًا عاديًا في مدينة عادية، بينما تدور في داخله عوالم لا تقل اتساعًا عن عوالم الأساطير.


وهنا تكمن عبقرية جويس. لقد اكتشف الملحمة داخل الحياة اليومية، وأثبت أن الإنسان العادي يمكن أن يكون بطلًا لملحمة كبرى، وأن إعداد وجبة الإفطار، والسير في الشوارع، وشراء الطعام، والحديث مع الغرباء، والتفكير في الحب والموت والذاكرة، يمكن أن تتحول جميعها إلى مادة أدبية وفلسفية هائلة.


تدور أحداث الرواية في يوم واحد، هو السادس عشر من يونيو عام 1904، في مدينة دبلن. يوم واحد فقط، لكنه يتسع لعالم كامل من المشاعر والتجارب والأفكار. نتعرف إلى ستيفن ديدالوس، الشاب المثقف الممزق بين ماضيه الديني وأفكاره الفلسفية وطموحه الأدبي، وإلى ليوبولد بلوم، الرجل الذي يحمل في داخله حكايات الحب والفقد والغيرة والوحدة، وإلى مولي بلوم، زوجته المغنية التي تمثل عالمًا آخر من الرغبة والذاكرة والجسد والحياة.


ومن خلال هذه الشخصيات الثلاث، ينسج جويس عالمًا إنسانيًا بالغ التعقيد. ستيفن يبحث عن معنى الوجود وموقعه في العالم، وبلوم يبحث عن مكان آمن داخل مجتمع لا يخلو من التعصب والاضطهاد، ومولي تعيش عالمها الخاص الذي تتداخل فيه الرغبة مع الذاكرة، والخيال مع الحقيقة.


لكن جويس لا يكتفي برواية الأحداث، بل يغوص داخل عقول شخصياته. نحن لا نعرف فقط ماذا تفعل الشخصية، بل نسمع ما تفكر فيه، وما تخفيه، وما تتذكره، وما تخشاه، وما تتمناه. تتدفق الأفكار بلا ترتيب واضح، تمامًا كما يحدث داخل العقل البشري. فكرة تستدعي أخرى، وذكرى تفتح بابًا على ذكرى قديمة، وصورة عابرة تعيد الإنسان إلى طفولته أو إلى حب ضائع أو إلى لحظة ألم لم يستطع نسيانها.


هذا هو تيار الوعي، أحد أهم الأساليب التي ارتبطت بتجديد الرواية الحديثة، وقد منح جويس من خلاله الأدب قدرة جديدة على الاقتراب من النفس الإنسانية. لم يعد الإنسان مجرد شخصية تتحرك أمامنا، بل أصبح عقلًا مفتوحًا نرى داخله حركة الأفكار والمشاعر والتناقضات.


ومن أكثر اللحظات دلالة في الرواية صباح بلوم، حين يعد الإفطار لزوجته مولي، بينما تتداخل تفاصيل الحياة المنزلية مع شكوكه بشأن علاقتها بمدير جولتها الغنائية بليزس بويلان. إنه رجل يعرف أن زوجته تستعد للقاء رجل آخر، ومع ذلك يواصل حياته اليومية. لا يقدم جويس مشهد الخيانة باعتباره حكاية ميلودرامية تقليدية، بل يجعله جزءًا من تجربة إنسانية أكثر اتساعًا، تتداخل فيها الغيرة مع الحب، والكرامة مع الضعف، والرغبة في الاحتفاظ بالآخر مع إدراك استحالة امتلاكه.


ولعل ما يجعل «يوليسيس» رواية استثنائية هو أنها لا تحترم الحدود التقليدية بين الأدب والفلسفة والتاريخ والأسطورة وعلم النفس والموسيقى. إنها رواية تستدعي التراث الإغريقي، وتستحضر شكسبير، وتستكشف الدين والسياسة والهوية والجسد والجنس واللغة، وتضع الإنسان في مواجهة أسئلته الكبرى، دون أن تمنحه إجابات جاهزة.


وقد دفع جويس باللغة إلى أقصى حدود التجريب. تتغير نبرة الكتابة من فصل إلى آخر، وتتبدل الأساليب، وتتداخل الأصوات، وتتسع مساحة التلاعب بالألفاظ والإشارات الأدبية والتاريخية. حتى إن بعض فصول الرواية تبدو وكأنها تجارب أدبية مستقلة، لكل منها لغته وإيقاعه وطريقته الخاصة في التعبير.


أما الفصل الأخير، الذي تتحدث فيه مولي بلوم عبر تدفق طويل لأفكارها الداخلية، فيمثل واحدة من أشهر التجارب السردية في تاريخ الرواية. تتدفق الذاكرة والرغبة والحب والجسد في صوت أنثوي لا يكاد يتوقف، حتى تصل الرواية إلى كلمتها الأخيرة، التي أصبحت من أشهر النهايات في الأدب الحديث: نعم.


إن «يوليسيس» ليست رواية سهلة، ولا ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها اختبارًا للذكاء أو مسابقة في الثقافة. قد يشعر القارئ بالإرهاق، وقد يتوقف طويلًا أمام صفحة واحدة، وقد يضطر إلى العودة إلى فصل سابق أو البحث عن إشارة تاريخية أو أسطورية لم يفهمها. لكن هذا جزء من طبيعة التجربة. فجويس لا يقدم العالم مرتبًا على طبق من ذهب، وإنما يضعنا في قلبه، حيث لا شيء بسيطًا كما يبدو.


والحقيقة أن عظمة هذه الرواية لا تكمن في صعوبتها وحدها، وإنما في قدرتها على تغيير مفهومنا عن الرواية ذاتها. لقد أثبتت أن الأدب يستطيع أن يتجاوز الحكاية التقليدية، وأن يستكشف أعماق الإنسان من خلال يوم واحد، وأن يحول التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبرى عن الوجود والحرية والحب والموت والهوية.


ومن زاوية مصرية، أجد أن تجربة جويس تفتح أمامنا سؤالًا مهمًا عن علاقتنا بالتراث الإنساني. فكما استعاد جويس ملحمة هوميروس وأعاد بناءها في مدينة حديثة، يمكننا أن نعيد قراءة تراثنا المصري القديم بوصفه مادة حية للإبداع المعاصر، لا مجرد آثار محفوظة في المتاحف أو نصوص منقطعة عن حياتنا. فالعالم القديم لم يكن عالم الملوك والآلهة وحدهم، بل كان عالم الإنسان الذي أحب وخاف وحلم وفقد وسأل عن الموت والخلود والعدالة ومعنى الحياة.


وهنا أرى أن الأدب العظيم لا يعرف حدودًا جغرافية أو زمنية. من دبلن إلى الإسكندرية، ومن أوديسيوس إلى بلوم، ومن أساطير اليونان إلى نصوص المصريين القدماء، يظل الإنسان هو البطل الحقيقي لكل الحكايات.


«يوليسيس» عمل أدبي مرهق، نعم، لكنه مدهش. قد تختلف معها، وقد تتعثر في صفحاتها، وقد تغلق الكتاب لبعض الوقت لتلتقط أنفاسك، لكنك لن تستطيع إنكار أنك أمام عقل أدبي استثنائي استطاع أن يرى في يوم عادي من حياة رجل عادي ملحمة إنسانية لا تنتهي.


بعض الروايات تمنحنا المتعة، وبعضها يمنحنا المعرفة، أما روايات قليلة ونادرة مثل «يوليسيس» فتمنحنا تجربة كاملة، تجعلنا نعيد التفكير في الأدب والحياة والإنسان.


وربما تكون أجمل مكافأة يمنحها لنا جيمس جويس أننا نغلق الكتاب في النهاية، فنكتشف أن الرحلة لم تكن رحلة بلوم وحده في شوارع دبلن، بل كانت رحلتنا نحن أيضًا داخل متاهة العقل البشري.


فالأدب العظيم لا يأخذنا بعيدًا عن الحياة، بل يجعلنا نراها للمرة الأولى.

#نقاش_دوت_نت 



التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11997
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.