إعادة رسم خرائط النفوذ في أفريقيا
الصراع العالمي على القارة السمراء .. حين تتحول الثروات إلى لعنة
عندما رحل المستعمرون عن أفريقيا والجنوب العالمي، لم يتركوا خلفهم مجرد ذكريات مريرة.
لقد تركوا خريطة سياسية معقدة بُنيت بعناية لتضمن استمرار السيطرة حتى بعد رحيلهم.
الحدود التي رُسمت لم تراعِ انتماءات الشعوب أو توزيع القبائل، بل قسّمت العائلات وجمعت أعداء تاريخيين تحت سقف واحد.
والنتيجة؟ دول تحمل في داخلها بذور الصراع، جاهزة للانفجار كلما احتاج الكبار إلى إضعافها أو إلهائها عن بناء مستقبلها.
كنوز تحت الأرض… وشعوب فوقها تعاني
أفريقيا ليست مجرد قارة؛ إنها خزينة العالم المخفية.
تخيّل أن ثلث معادن الكوكب موجودة تحت أقدام الأفارقة!!
تقارير الأمم المتحدة تكشف أرقاماً مذهلة:
تقريباً نصف ذهب العالم مدفون في أراضيها، وتسعة من كل عشرة وحدات من الكروم والبلاتين المستخدمة في صناعاتنا تأتي من هناك.
ناهيك عن اليورانيوم الذي يمثل مفتاح الطاقة النووية عالمياً.
لكن السؤال المؤلم، لماذا تظل شعوب القارة من أفقر شعوب الأرض رغم كل هذه الثروات؟
الإجابة بسيطة ومعقدة في آن واحد، لأن الثروة تحولت إلى سبب للصراع بدلاً من أن تكون مصدراً للرخاء.
المعركة الخفية على مستقبل الطاقة
العالم اليوم يتحدث عن الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، لكن قليلين يعرفون أن هذا المستقبل “الأخضر” مرهون بمعدن اسمه الكوبالت. والكونغو وحدها تنتج أكثر من سبعة أعشار الإنتاج العالمي منه كما تشير تقارير البنك الدولي.
بدون الكوبالت، لا بطاريات للهواتف الذكية ولا سيارات كهربائية.
المفارقة المأساوية أن المناطق الأغنى بهذه المعادن هي نفسها الأكثر اضطراباً.
صراعات عرقية لا تنتهي، حروب أهلية متكررة، وعدم استقرار مزمن.
هل هذه مصادفة؟ بالطبع لا، فالفوضى تسمح للشركات الكبرى بالتدخل تحت ذرائع مختلفة، بينما تستمر في نهب الموارد بأسعار زهيدة.
عندما يصبح التقسيم سلاحاً
يرى المؤرخ باسيل ديفيدسون أن الدولة القومية في أفريقيا كانت نسخة مشوهة من النموذج الأوروبي.
دعونا نتحدث عن رواندا ونيجيريا كمثالين صارخين ففي رواندا، زرع الاستعمار البلجيكي بذور الكراهية بين الهوتو والتوتسي، وصنّفهم عرقياً بطريقة لم تكن موجودة قبل مجيئهم والنتيجة؟ إبادة جماعية في 1994 راح ضحيتها مئات الآلاف.
أما نيجيريا، الدولة التي تضخ حوالي مليون ونصف برميل نفط يومياً، فورثت من الاستعمار البريطاني انقساماً حاداً بين الشمال والجنوب، ورغم كل هذا النفط، تظل التنمية بعيدة المنال لأن الصراعات الداخلية تلتهم الموارد وتشل الحركة.
صراع القوى العظمى الجديد
اليوم، أفريقيا تشهد سباقاً محموماً بين القوى الكبرى، الصين أصبحت الشريك التجاري الأول للقارة بحجم تبادل يتجاوز 250 مليار دولار سنوياً. وروسيا تتوسع عبر صفقات أمنية وعسكرية، والغرب يحاول استعادة نفوذه التقليدي بأساليب جديدة كإشراك في المشاريع التنموية.
القارة السمراء باتت أيضاً مفتاح الأمن الغذائي العالمي، حسب تقارير منظمة الفاو، حيث تمتلك 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، هذا يعني أن من يسيطر على أفريقيا، يسيطر على مستقبل البشرية في مجالات عديدة.
قصص نجاح وسط الأنقاض
ليس كل شيء قاتما!!
هناك دول مثل رواندا وبوتسوانا نجحت في كسر الحلقة المفرغة. استطاعت أن تحول مواردها إلى أدوات للبناء لا للدمار، وأن تضع سياسات وطنية صارمة تحمي مصالحها، لكنها الاستثناء وليس القاعدة.
الفارق بين هذه الدول والأخرى يكمن في وضوح الرؤية والإرادة السياسية. بينما تنجح بعض الحكومات في فهم اللعبة الدولية والتعامل معها بذكاء، كما يحدث في الساحل الأفريقي، تقع أخرى في فخ الوعود الدولية الكاذبة، لتستيقظ على حقيقة أن ثرواتها تُنهب لتمويل صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
الحل الحقيقي يبدأ بإدراك بسيط لكنه عميق، أفريقيا لن تنهض إلا بوحدتها وبوعي شعوبها.
المصلحة القومية يجب أن تتقدم على الانتماءات العرقية الضيقة و الموارد ينبغي أن تُستخدم كورقة ضغط سياسي، لا كسلع رخيصة للتصدير.
الألغام الموروثة من الاستعمار لا تزال مدفونة في نسيج المجتمعات الأفريقية، لكن إدراك وجودها هو الخطوة الأولى لتفكيكها، وعندما يحدث ذلك، ستتحول القارة من ساحة صراع إلى قوة عالمية حقيقية، وهذا بالذات ما يخشاه المستعمرون القدامى والجدد.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك