من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

نــَـزْفٌ

صابرين الصباغ
نــَـزْفٌ


أَهْديتُ مجموعتِي القَصصيةَ الجديدةَ إلَى صديقتِي. لَوحتُ بِيدِي لِأمِّها وأَبِيها بارَكُوا لِي طفلَ إبْداعِيَ الوَليدَ!

رَحلْتُ إلى مَائدتِي أرتشفُ قهوتِي، أنْشغلُ بِهمسِ مبدِعٍ قدْ ائتمنَ الأوْراقَ علَى أسْرارِهِ!

تمرُّ صدِيقتِي، تخبرُنِي أنَّ أمَّها لمْ تكفَّ عنْ القراءةِ فِيها.

نَظرْتُ إليْها أقرأُ سُطورًا طبعتْها حروفِي علَى صفحاتِ وجهِها، ابتسمْتُ؛ فَما أروعَ أنْ تكْتبَ بِمدادِ القلبِ فَينحِتَ شغافَ قُلوبٍ تَقرأُ.

تُلوِّحُ لِي.. تناديِنِي؛ قلْتُ لعلَّ هناكَ استفسارًا.

- مَرحَبًا، هلْ وَجدتِ شيئًا غامِضًا يحتاجُ إلَى تفْسيرٍ؟

- أمِّي تُريدُكِ.

جَلسْتُ بِجوارِ المرأةِ. عجوزٍ تستطيعُ حصْرَ أقدامِ الأيامِ التِي مرَّتْ علَى دروبِ وجهِها؛ فتعرَّجَ وتهدَّلَ مِن ثقلِ الخطُواتِ!

 بِجهدٍ جهيدٍ تفتحُ عينيْها: سجلٌ طويلٌ فيهِما لا يُقرأُ؛ فكمْ رقصَ جفنَاها فرَحًا وتشنجَا حزْنًا! كمْ منظرٍ التقطتْهُ هاتانِ العينانِ! والآنَ تتحركانِ بِبطءٍ قاتلٍ كأنَّهما تكرهانِ رؤيةَ الدنْيا!

تبْتسمُ بِطفولةِ سنِّ الستينَ، وتهمسُ لِي:

- هَلْ أنتِ سعيدةٌ فِي حياتِكِ؟

انْدهشْتُ لِلحظةٍ مِن قوةِ السؤالِ، حِرْتُ وأنَا أجمعُ تلابيبَ إجابتِهِ. رددتُ عليْها:

- هَلْ أنتِ سعيدةٌ فِي حياتِكِ؟

ينْقلبُ الوجهُ الباسمُ إلَى بحيرةِ حزنٍ تغرقُنِي:

- كلَّا.

أُشاركُها العزفَ علَى أوتارِ الحزنِ؛ فأقولُ:

- كلُّنا هذهِ المرأةُ.

- هلْ أنتِ مثلِي مجروحةٌ؟!

لِلْمرةِ الثانيةِ، أشاركُها غِناءَ وجعِها:

- كُلُّنا زوجاتٌ لِرجلٍ واحدٍ، هذا الشرقِيُّ! الذِي يبحثُ دوْمًا عنْ شكلِ الأنثَى.

- سَيقتلُنِي بِإهمالِهِ.

أَتعجبُ وأنَا أرَى جفنَيْ مِحارةٍ تقذفُ لؤلؤةً هرِمةً باكيةً شفافةً كَقلبِ طفلٍ!

أنظرُ إليْها...

 تَنظرُ بِنظراتِ عتابٍ إلَى زوجِها: شعرُهُ الأبيضُ صارَ لافتةً معلقةً علَى أرصفةِ عمرِهِ، يجيبُها بِعينيْهِ، يَدخلانِ فِي مناقشةٍ خرساءَ قرأتُ حروفَها بِأذُنِ مشاعرِي:

 - لِماذَا لا تَقرؤنِي؟ هلْ غابَتْ معالمُ حروفِي، وتمزقَتْ أوراقُ كتابِي، وترهلَتْ سنواتُ المعانِي؟ مَازلتُ أحيَا ولمْ أمُتْ بعدُ.. أحتاجُ إلى بعضِ الحياةِ.

- لمْ يعدْ فِي العمرِ ولا فِي القلبِ ما تبحثِينَ عنْهُ.

نَظرْتُ إليْها، والصمتُ بطلُ اللحظةِ؛ لِأجدَ أنَّنا نَحملُ الجُرحَ نفسَهُ، نُهدهدُهُ حتَّى اعتادَتْ جِراحُنا التَّدليلَ.

تُرسلُ كفيْها لِتزيحَ أنينَ الجُرحِ النازفِ مِن فوقِ وجَناتِ الزمنِ الطويلِ. أربِّتُ مشاعرَنا.

أَرحلُ، بِقلبٍ يئنُّ وقدْ ازْددتُ يقينًا أنَّ المَشاعرَ لا تَعترفُ بِالشَّيبِ.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6048
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.