من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

وجه العذراء واليم

هبة نور
وجه العذراء واليم




جلس حسان ذاك الشاب اليافع على ضفة اليم قبل مغيب الشمس، يرتقب ظهور ذاك الوجه الجميل لفتاته الشقراء، ذات العينين الزرقاوتين التي يراها بعيداً، بعيداً حيث التقاء اليم مع السماء فيما يراه الناظر 

تلك اللحظة, ظل صامتاً معلقاً عينيه بنهاية اليم التي يستطيعها بصره ..فاليم لا نهاية له تدرك كآمال حسان ...ها هو الوجه قد بزغ كالقمر وشخصت معه عينا حسان وانفرجت أساريره وظل يصرخ ..ها هي ,ها هي حبيبتي التي يحول بيني وبينها اليم, وظل يلوح بكلتا يديه وينادي بأعلى صوته ..كيف السبيل إليكِ يا فتاتي الحسناء.. تغمز الحسناء بعينها كبائعات الهوى، ويتلاشى وجهها، فيجن جنون حسان, يصرخ ويقول, انتظري, انتظري ..ولكن لا مجيب ...فقد اختفى وجه الحسناء في اليم ..فما كان من حسان إلا أن نزل اليم عامداً خوضه وهو ينادي, سأصل إليكِ أيتها الحسناء ..ولكن حسان البائس لا يجيد خوض البحر، فكاد أن يغرق, فأنقذه بعض رجال القرية وحملوه إلى بيته مغشياً عليه

 في غرفة حسان .جلست والدته إلى جانبه تبكيه..أفاق وهو يهذي, أين أنتِ أيتها الحسناء ..أين هي العذراء يا أمي .. تحبني, يظهر وجهها من أجلي .كدت أن أصل إلى وجه العذراء الحسناء, تباً لهم, لِمَ منعوني, تنتحب الأم وتنعي حظها التعس ,فقْد فقَد ولدها عقله, قد احب جنية تخرج له من البحر 


اجتمعت نساء القرية كعادتهن عند الغروب وكان حسان وقود حديثهم ..قالت إحداهن قد جن حسان, يرى وجها لعذراء تظهر خلف اليم, فهل يظهر من خلف اليم غير الجنيات! وقالت أخرى, لا, لم يجن, إنه مسحور, هناك امرأة كانت تريد تزويجه لابنتها وعندما علمت برفضه ذهبت إلى ساحر على أطراف القرية، وعقدت له سحراً ..وقالت ثالثة, لا . إنه يشتهي النساء وأمه لا تريد تزويجه لأنه وحيدها, وتخاف أن تظفر به عروسه وحدها ويتولى عنها.


وعندما علمت أمه بما ذهبت إليه أحاديث النساء ..قالت يا ولدي, إن أردت الزواج سأزوجك ..قال, لن أتزوج إلا العذراء التي يظهر وجهها من خلف النهر .. قالت, إنها جنية يا ولدي, أهناك امرأة بوجه بلا جسد! قال جسدها لا يناله غير مغامر يسعى خلفها ..سأسافر يا أمي لأحظى بمحبوبتي الحسناء ..قالت عد إلى عقلك أيها المجنون الخرف, ما تقوله هو عين الجنون, أم أنك مسحور! ..يا ولدي, بنات القرية أمامك وسأزوجك أجملهن إن شئت ..قال لا حاجة لي بهن, فلي محبوبة خلف النهر يظهر وجهها كل يوم لأجلي ..سأسافر يا أمي ..نظرت إليه الأم نظرة اليائسة الحزينة .. اشاحت بوجهها عنه وخرجت تتمتم .. جن ولدي, أم تراه مسحور.. لا حاجة له بالنساء ,,لا يريد إلا هاتيك الجنية صاحبة الوجه بلا جسد 


لم بكن الطريق إلى الفاتنة العذراء يسيرا.فقد باع حسان كل ما يملك من حطام الدنيا, قيراط أرض بائس كان هو مصدر رزقه ورزق أمه بعد وفاة والده..ولكن المبلغ الذي اشترطه الوسيط لم يكتمل, فباع العقد الذهبي الذي كاد أن يلتصق بجيد والدته, فقد كان قديما بقدم زمان زواجها, فهو هدية من والد حسان, فانتزعته وسط بكاء مرير, وكأن لسان حالها يقول, لا ولد ولا أرض ولا ذكرى لأبي حسان


أكمل المبلغ المطلوب وودع والدته التي علا نحيبها وتشبثت بقميصه وهي تقول, ترى هل أراك مرة أخرى قبل موتي يا حسان؟ فقبل يدها وقال, سأعود يا أمي, سأعود ومعي مالاً لا يعد ولا يحصى، وسأشتري لكِ آلاف الأفدنة عوضا عن القيراط, وسأصنع لكِ من الذهب فرشا ووسائد وطنافس, عوضاً عن عقدك العتيق .. اسدل الستار على أمه غير مبال بالحزن الذي يفري كبدها 


هرع حسان إلى الشاطىء بحقيبته الكالحة التي حوت ملابس بالية لا تختلف عن مظهره, وحذاء قديم وجدت الأتربة ملاذاً لها بين طياته...ولكن ...يا لهول ما رأى! فغر حسان فاه وجحظت عيناه .. كل هؤلاء الشباب سيرافقونه في رحلة حلمه إلى العذراء!! هل هي مقصدهم! هل بلادها وجهتهم؟ أم تراهم سيعبرون السبل إلى أرضها ويرحلون؟؟...دارت كل هذه الأسئلة في رأس حسان وهو ينتفض رعباً على محبوبته العذراء التي ربما ظهر هؤلاء لينافسوه على قلبها ..ترى ما سيفعل حسان في هذه الحرب الضروس إن دارت رحاها !! ظل يفكر فيمن جاؤوا لينافسوه ولم يكترث لأمر الزورق المتناهي الصغر والذي سيتكدسون فيه كفرخ الطيور في القفص.. ولم يفكر كيف سيجابه هذا الزورق الأمواج العاتية في اليم العميق الأغوار


شق الزورق طريقه بين الأمواج المخيفة والليل القاتم الظلمة ..سمع حسان الكثير والكثير من الحكايا عن الظروف القاسية لرفقة سفرته, فهذا ضاقت به سبل العيش, وهذا هارب من عمل شاق كاد أن يهلكه مراراً, وهذا تزوج وانجبت زوجته طفلاً لا طاقة له بالإنفاق عليه, وهذا له أب كهل لا يقوى على العمل و أخوات على وشك الزواج ولا مال لديه لتزويجهم . وهذا وهذا وهذا ..كانت الحكايا هي الونيس في الرحلة المقبضة الطويلة ...تعرض الزورق للغرق ولكن آجالهم لم تحن بعد


يا إلهي ..أخيراً قد لاحت معالم الشاطىء في الأفق, يالفرحة حسان, ظل يردد فرحاً في سريرته, محبوبتي,محبوبتي, ها قد وصلت إلى شاطئك, تركت الأرض والأهل لأظفر بقربك أيتها العذراء الملائكية ..أعرف بل وأتيقن أنك تشتاقين إليّ كشوقي إليكِ.. شوقك كان يظهر لي بين عينيكِ عند اليم, وهائنذا قد صنعت من عبرات شوقي يماً وعبرته إليكِ


ظل حسان يحدث نفسه ويمنيها بلقاء محبوبته العذراء حتى احتضن الزورق الشاطىء بلهفة كلهفة حسان ...ولكن...يا للمفاجأة! 


عندما نزل حسان والرفاق إلى الشاطىء, التف حولهم حشد من رجال غلاظ شداد ليمنعوهم من الولوج إلى أرض النعيم المشتهى, وقالوا لهم عودوا من حيث أتيتم فلا حاجة لنا بكم, فتعالت الصيحات والاستغاثات ..الرحمة أيها الكرام, فقد جازفنا بأرواحنا حتى نصل إلى مروجكم الخضراء، فلا تعيدونا لأرضنا الجدباء...فتشاور الرجال الغلاظ وقالوا .. ننتظر ملكة هذه الأرض لتنظر في أمركم, هدأ الرفاق وشعروا ببعض الأمل ...فرح حسان وقال, لابد وأن محبوبتي هي ملكة هذه الأرض, وبالطبع ستتوجني ملكاً إلى جوارها .. وأنا كملك لهذه الأرض سأرحم هؤلاء الشباب واتركهم يرزقون على أرضي, فالملك يجب أن يرحم البؤساء


وبعد انتظار طويل, ظهر موكب مهيب محاط بالحرس والحاشية ..وانحنى جميع الأتباع تهيؤاً لنزول الملكة عن مركبتها, ظل حسان يترقب وضربات قلبه تعلو وتتسارع 

نزلت الملكة وبدت ملامحها من بعيد , قفز حسان ها هي ها هي , ما أجملك يا حبيبتي ..ظلت تقترب منهم شيئاً فشيئا وخلفها أتباعها ,تقترب وتقترب ويشرأب حسان بعنقه ويقف على أطراف أنامله ويحدق البصر فيها حتى اقتربت منهم وتجلى وجهها ,فجحظت عينا حسان من هول الفاجعة ..الحسناء عندما اقتربت لم تعد حسناء ,بل هي لم تكن من الأساس حسناء ..إنها عجوز شمطاء قبيحة عابسة الوجه ,تسخر الجميع لخدمتها وخدمة أراضيها ,وكان من زمرة الخدم حسان الذي سيق كسائر رفاقه إلى أرض الشقاء ...فنظر حسان إلى اليم في حزن وقال محدثاً نفسه , ترى متى وكيف السبيل إلى عبورك حتى أحظى بأحضان أمي! وكم سيتبقى من عمر بعدها ..تبأ لأماني النفس، وخداع البصر 

وهكذا نحن .بعض الأشياء نراها عن بعد جميلة ,فإن اقتربنا فزعنا قبحها 

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6057
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.