من المستفيد من تقسيم اليمن؟
من المستحيل تقسيم اليمن، ولا أقول هذا بدافع عاطفي أو تحيز لأنصار الله، بل من رؤية تاريخية صلبة تعرف طبيعة هذا البلد وشكل تركيبته الاجتماعية والسياسية منذ قرون.
منطقة جنوب اليمن لم تكن يومًا دولة مستقلة مستقرة بالمعنى الحديث للدولة، بل كانت تاريخيًا اتحاد كيانات قبلية ومشيخات وسلطنات (أكثر من 21 سلطنة ومشيخة) توحدت مؤقتًا فقط تحت شعار واحد: مقاومة الاحتلال البريطاني وتحرير الجنوب، وليس لبناء دولة وطنية مستقلة ذات مشروع جامع. وبعد خروج البريطانيين، لم يتحول الجنوب إلى دولة طبيعية، بل أصبح ساحة نفوذ دولي.
الجنوب بعد الاستقلال لم يكن كيانًا سياديًا ذاتيًا بقدر ما كان منطقة نفوذ سوفيتي واضح؛ النظام كان قائمًا على العقيدة الشيوعية والتحالفات الأيديولوجية أكثر مما كان قائمًا على هوية سياسية داخلية متماسكة. وكل الصراعات الدامية التي عاشها الجنوب خلال فترة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، خصوصًا صراعات 1986م، تثبت ببساطة ضعف التجانس الداخلي وعدم وجود شعور قومي جامع حقيقي.
الجنوب كان ومازال مجرد ورقة تستخدمها قوى مختلفة، مرة ضد سلطنة عُمان، ومرة ضد الشمال، ومرة كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولاحقًا كمنطقة نفوذ إماراتي.
الإمارات مثلاً دعمت المجلس الانتقالي الجنوبي ليس حبًا في حق تقرير المصير، بل لدفع الجنوب نحو التجزئة ثم إعادة تشكيله ككيان تابع سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا لها.
الهدف ليس سياسيًا فقط؛ الهدف استراتيجي اقتصادي بامتياز: السيطرة على الموانئ الجنوبية، وعلى رأسها ميناء عدن. هذا الميناء تحديدًا، تاريخيًا، كان من أهم موانئ المنطقة، وكان منافسًا مباشرًا لأي مشروع مينائي في الخليج.
الإمارات تدرك جيدًا أنه إذا قامت دولة يمنية موحدة قوية تمتلك ميناء عدن وتفعّله اقتصاديًا، فسيكون تهديدًا مباشرًا لموانئ دبي وأبوظبي.
لكن لماذا أقول إن مشروع دولة جنوبية مستقلة لن ينجح؟
السبب الجوهري أن أغلب القوى المسلحة والقبائل والتيارات التي تقاتل تحت شعار دولة الجنوب لا تقاتل لبناء دولة مركزية حقيقية، بل تقاتل لبناء كيانات شبه مستقلة، أقرب لفكرة كونفدرالية مفككة، حيث تريد كل منطقة سلطتها وسيادتها الخاصة.

حضرموت تريد مسارًا خاصًا بها، المهرة لها رؤية مختلفة ومعها عمق عماني واجتماعي خاص، شبوة لها حساباتها، وكل منطقة تقريبًا تريد دولتها، ولكنها في الوقت نفسه تعلم أنها غير قادرة على بناء دولة مستقلة واقتصاديًا غير قابلة للحياة دون مظلة أكبر. لذلك، يتعامل الكثير منهم مع عدن كمركز مؤقت للانفصال، وليس كعاصمة لوطن جامع.
لذالك الجنوب اليوم لا يملك اليوم مقومات الأمة ولا يمتلك هوية سياسية موحدة ولا مشروعًا تاريخيًا متماسكًا لبناء دولة.
ربما نعم ستجد ذلك في عدن وبعض المدن الكبرى، لكن بمجرد أن تخرج خارج المدينة وتدخل عمق الجغرافيا الجنوبية، تجد واقعًا اجتماعيًا مختلفًا تمامًا، قائمًا على الولاءات المحلية أكثر من الوطنية.
ومع اشتداد الصراع بين الإمارات والسعودية داخل الجنوب نفسه، وتحول الساحة الجنوبية إلى صراع نفوذ بدل مشروع دولة، سيولد فراغ سياسي وعسكري كبير. وفي لحظة مثل هذه، التاريخ يقول إن القوة الأكثر تنظيمًا، الأكثر مشروعًا، والأقدر على فرض الدولة، هي التي ستملأ الفراغ. وفي اليمن اليوم، هذه القوة هي أنصار الله، شاء من شاء وابى من أبى.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك