من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

محمد عناني: واحات العبقرية ومنبع الفصاحة

د.مصطفى رياض
محمد عناني: واحات العبقرية ومنبع الفصاحة


مما لا ريب فيه أن الحديث عن الأستاذ الدكتور محمد عناني هو حديثٌ عن قامةٍ شامخة تنتصب في محراب اللغة والأدب، وعن مترجمٍ استثنائي استطاع أن يتجاوز دور الناقل ليكون "مؤلفًا ثانيًا" للنصوص التي نقلها ببراعة إلى لسان العرب. وإذا نحن نقبنا في سيرته الذاتية الفذة التي أسماها "واحات العمر"، وجدنا أن جذور عبقريته اللغوية قد نبتت أول ما نبتت في مدينة "رشيد"، ذلك الثغر الهادئ الذي يلتقي فيه المنبع بالمصب، وحيث تتمازج خضرة النخيل بزرقة النيل في لوحةٍ تملأ الوجدان صفاءً وتمنح الروح اتزانًا.


كانت مدرسة "الكُتَّاب" هي الواحة الأولى التي ارتوى منها عناني في طفولته؛ ففي رحابها حفظ القرآن الكريم، وعرف أسرار اللغة ومفاتيحها وهو لم يتجاوز السادسة من عمره. وكان لوالده — رحمه الله — الأثر الأكبر واليد الطولى في صقل مواهبه؛ إذ كان رجلًا مثقفًا واسع الاطلاع، يمتلك مكتبةً عامرةً بأمهات الكتب ونفائس التراث مثل "نفح الطيب" و"العقد الفريد" و"الأغاني". ولم يكن الوالد يكتفي بمجرد القراءة، بل كان يحرص على أن يمتحن ابنه في معاني الشعر وعويص اللغة، ويُسجل ما يروق له في مجلدٍ ضخم أطلق عليه اسم "الموسوعة الأدبية" أو "بيت الحكمة"، وهو الصنيع الذي غرس في نفس الصبي حُبَّ اللغة وشغفًا لا ينقطع بالحرص على جزالتها ودقتها.



ومن الجذور العميقة التي قلما يتنبه إليها الدارسون في مسيرة عناني، ذلك الارتباط الوثيق والعضوي بين اللغة والموسيقى في تكوينه النفسي والفكري. فقد نشأ وفي أذنيه رنين تسابيح والده وتواشيحه في جامع "المحلي"، وإبداعات القارئ الشيخ مصطفى إسماعيل في تلاوة القرآن، وألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب. هذا "التموج" الإيقاعي هو ما جعل عناني يُدرك لاحقًا عبقرية النظم العربي؛ الأمر الذي انعكس على أسلوبه السلس المنساب.


كذلك انفتحت عبقرية عناني على الثقافات الأجنبية منذ وقتٍ مبكر؛ فكان قارئًا نهمًا للمجلات الثقافية الرصينة كـ "المقتطف" و"الهلال" و"الكاتب المصري". وحين انتقل إلى القاهرة، تتلمذ على يد كبار النقاد والمفكرين مثل الدكتور لويس عوض والدكتور رشاد رشدي، وهناك بدأ يدرك حقيقة جوهرية مفادها أن "الفصحى وحدها لا تصنع كاتبًا"، بل لا بد من امتزاج الفكر باللغة. وقد تجلَّى ذلك بوضوح في مذهبه الراسخ في الترجمة، حيث يرى أن النص المترجم هو مزيجٌ فريد من "النص المصدر" والكساء الفكري واللغوي للمترجم نفسه.



حفلت سنوات الغربة في حياة الدكتور محمد عناني بروافد ثرية صقلت فكره، وبلورت رؤيته الأدبية والنقدية، حتى غدت تلك "الغربة" واحةً فسيحة من واحات العطاء. وإنا لنستشف من خلال سفره "واحات الغربة" عوامل جوهرية شكلت وجدانه الثقافي؛ إذ كانت بعثته "مخاضًا" فكريًا عسيرًا، تلاقت فيه أصوله العربية الراسخة بآفاق الفكر الغربي الواسعة. ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن ثقافة عناني في مغتربه قد تشكلت من روافد عدة، لعل أبرزها مواجهته في لندن لواقع يختلف في جوهره عن نشأته في "رشيد" أو حياته في "القاهرة"؛ فكان عليه أن يعيد قراءة ذاته وتراثه في ضوء الآخر. وإنا لنرى أن هذه المواجهة لم تزده إلا تمسكًا بهويته، مع انفتاحٍ بصير على أدوات النقد الحديث، فاستطاع أن يمزج بين "الأصالة" التي ورثها عن أبيه ومكتبته، وبين "المعاصرة" التي فرضها عليه المناخ الثقافي الأوروبي.


كذلك كانت "نكسة 1967" عاملًا حاسمًا في تشكيل وعي عناني القومي والسياسي وهو في الغربة. فقد كانت زلزالًا هزَّ وجدانه، ودفع به وبجيله من المغتربين (أمثال سمير سرحان وفاروق عبد الوهاب) إلى مراجعة شاملة للمشروع الثقافي العربي. وهذا ما نلمسه في حديثه عن "التحولات" الروحية والفكرية التي طرأت عليه، وكيف غدت اللغة لديه سلاحًا للمقاومة وإثبات الذات الحضارية.


كما كانت دراسته في جامعة لندن انغماسًا في "المسرح الحي" للفكر الإنساني. فقد أتاحت له الغربة الاحتكاك المباشر بكبار المفكرين والتعمق في الأدب الإنجليزي؛ الأمر الذي صقل ملكته في "الترجمة الإبداعية". كما كان لرفقة زملائه من المبدعين المصريين في لندن أثرٌ كبير في خلق مناخٍ نقديٍ حاشد، تبودلت فيه الرؤى حول مستقبل الأدب العربي. إن حياة عناني في "شارع داربي" بلندن، وما تخللها من علاقات إنسانية عميقة — ومنها اقترانه برفيقة دربه الدكتورة نهاد صليحة — قد أضفت على ثقافته بعدًا إنسانيًا رحبًا. فالثقافة عنده لم تعد نصوصًا تُقرأ، بل تجربةً تُعاش في مواجهة الصقيع، وفي البحث عن "الكلمة" التي تربط بين الشرق والغرب.


أما الجزء الثالث من سيرته «واحات مصرية»، فإننا نشهد فيه أطوارًا جديدة من النضج الفكري واللغوي، تُتمم ما بدأه في صباه برشيد وما صقله في غربته بلندن. ويُضيف هذا السفر عوامل جوهرية صاغت شخصيته الثقافية في مرحلة "الإياب". إنَّ عودة الدكتور محمد عناني إلى أرض الكنانة لم تكن مجرد عودةٍ جغرافية، بل كانت "هجرةً ثانية" نحو آفاق العمل الثقافي المؤسسي والإبداع الحر. وإذا نحن استقرأنا صفحات هذا الجزء، وجدنا عوامل جديدة أثّرت في تكوينه، لعل أهمها انغماسه في الواقع الإداري والثقافي. لقد أضاف هذا الجزء بُعدًا جديدًا لشخصية عناني، وهو بُعد "المثقف الفاعل" في مؤسسات الدولة؛ فعمله في الترجمة برئاسة الجمهورية واحتكاكه بدوائر صنع القرار صقلا لغته "السياسية" والدبلوماسية، وجعلاه يدرك خطورة الكلمة ودقتها في المحافل الدولية. هذا التماس المباشر مع أجهزة الدولة حوّل ثقافته من "نظيرية" أكاديمية إلى "واقعية" تطبيقية.

وأخيرًا، نستشف من خلال الجزء الرابع «حكايات الواحات»، ملامح الشخصية الثقافية العامة التي جاوزت حدود التخصص الضيق لتصبح "مؤسسةً" قائمة بذاتها. يُمثل هذا الجزء مرحلة "الحصاد الفكري"، حيث غدا عناني "حكيمًا" ينقل خبرات العمر إلى الأجيال. لقد تجلَّى هنا نضجٌ فلسفيٌّ عميق، وانتقل من البحث في "فنيات" اللغة إلى "غايات" الوجود، وهو ما نلمسه في ترجماته المختارة (مثل قصيدة ووردزورث) التي تعكس تأمله في "نبع معاناة الإنسان" وحتمية الفناء. إن اختيار عنوان "حكايات" يشي برغبةٍ في "أنسنة" الثقافة وتقريبها من الجمهور، متحدثًا بلسان "الراوي" لا الأستاذ المتعالي، مما جعله شخصية عامة مؤثرة. كما يُفصح هذا الجزء عن دوره كـ "أبٍ روحي" للمترجمين، واضعًا دساتير العمل عبر مشروعاته القومية، وجاعلًا من "حكاياته" مختبرًا تعليميًا للناشئة. وإنا لنلحظ قدرته الفائقة على جعل "شكسبير" و"ميلتون" يتحدثون بلسانٍ عربيٍّ مبين، في "توطين" للإبداع العالمي جعل من شخصيته "جسرًا" حضاريًا.

وختامًا، فإن رحلة الأستاذ الدكتور محمد عناني عبر "واحاته" المتعددة لا تُقرأ بوصفها سيرةً ذاتيةً فحسب، بل هي وثيقةٌ حضاريةٌ ترصدُ مسار العقل العربي في سعيه للمواءمة بين أصالة التراث ومعطيات الحداثة. لقد استطاع هذا "الشيخ المترجم" أن يُحيل فعل الترجمة من نقلٍ وظيفي إلى إبداعٍ موازٍ، جاعلًا من اللغة العربية وعاءً رحبًا يتسع لروائع الفكر الإنساني دون أن يفقد هويته. وسيظل إرث عناني منارًا تهتدي به الأجيال القادمة، وشاهدًا على أن الإخلاص للغة هو السبيل الأوحد لخلود الأثر، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الثقافة العربية رمزًا للفصاحة الحية والجسور الممتدة بين الحضارات.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6076
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.