أكتبك كاحتمال
إلى صاحب الظلّ الطويل،
لا أكتبك من مكانٍ آمن،
بل من حافةٍ أعرفها جيدًا:
حافة الوعي حين يسبق القلب،
وحافة القلب حين يتظاهر بالعقل.
أمشي نحوك بقدميّ الاثنتين،
لكنّ ذهني يصل قبلي،
يتعثّر بالاحتمالات،
ويخلع يقينه عند أول سؤال.
هل تعرف كيف يشعر المرء
حين يضع جواربه في صباحٍ بارد
ويكتشف أنّ الأرض ما زالت أبرد؟
هكذا أشعر كلما فكّرت فيك:
استعدادٌ كامل،
ومفاجأة لا تُحتمل.
العالم مزدحم،
لكنّ الذهن انتقائيّ بطبعه،
يمرّ على الوجوه كما تمرّ العين على العناوين،
ثمّ يتوقّف فجأة
عند فكرةٍ لا ترفع صوتها.
أنت لست حضورًا صاخبًا،
أنت معنى منخفض النبرة،
من تلك المعاني
التي لا تُقنعك فورًا،
لكنّها تبقى.
أقف أمامك لا لأنني أصغر،
بل لأنّك أوسع من مقاييسي.
فيك شيء يُربك هندسة الشعور:
كلما حاولتُ تصنيفك،
تجاوز خانة،
وكلما ظننتني فهمتك،
أعدتني إلى السؤال الأول.
أكتب لك لأنّ الكتابة
فعلُ تفكيرٍ قبل أن تكون اعترافًا.
هي محاولتي الوحيدة
لترتيب الفوضى
دون أن أقتلها.
الكلمات هنا
ليست زينة،
بل أدوات قياس،
أضعها قربك
فأكتشف أنّ المعنى
أطول من اللغة.
كلمةٌ منك
لا تغيّر يومي،
بل تغيّر زاوية النظر إليه.
تُحرّك الأثاث الداخلي،
وتجعلني ألاحظ
ما كنتُ أراه كل يوم
دون أن أفهمه.
أليست هذه هي المعرفة؟
أن نرى الشيء ذاته
لكن بعينٍ أخرى؟
أتردّد،
لأنّ الوعي حين يقترب من الحقيقة
يخشى أن يُفسدها بالتسمية.
بعض الأشياء
تفقد عمقها
حين نضع لها اسمًا.
وأنت…
أخشى أن أختزلك
في كلمة.
لماذا أنت؟
سؤال لا يبحث عن إجابة،
بل عن شرعية.
لماذا يختارك العقل
رغم اعتراض المنطق؟
ولماذا يميل القلب
إلى ما يعرف أنّه مؤقّت؟
ربما لأنّ المؤقّت
أكثر صدقًا،
وأقلّ ادّعاءً بالخلود.
نرغب بما لا نملكه
لأنّه لا يطالبنا بشيء.
لا يختبر صبرنا،
ولا يساومنا على ذواتنا.
يبقى نقيًّا،
كما تبقى الفكرة
قبل أن تتحوّل إلى واقع.
وجودك لم يعلّمني الحب،
بل علّمني الفهم.
أن الغياب
ليس نقيض الحضور،
بل شكله الأكثر تهذيبًا.
وأن بعض الأحلام
لم تخلق لتُعاش،
بل لتُعيد ترتيب وعينا
ونحن مستيقظون.
أنا لا أبحث عنك في الوجوه،
بل في المعاني التي لا تستقرّ.
في الأسئلة التي لا تريد جوابًا،
في اللحظة التي أشعر فيها
أنّني أفهم نفسي أكثر
لأنّك لم تكن هنا.
مروة
وقلمٌ يعرف متى يقترب
ومتى يكتفي بالظل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك