الفصل الثانى (4) الجزء الأول .."لا توبة لشيطان مطلقًا"
بإصرار همس يوسف فى نفسه ثم دفع باب حجرته خلفه بعـصبية شديدة ليصبح أسيرًا للظلام والجدران الأربعة، ولكنه فى حقيقة الأمر كان أسيرًا للماضى الذى يسكن بداخله وقد أصبح حاضرًا فى كل لحظة يحياها هذا المخلوق الشقى خلع يوسف سترته ثم تحرر من رابطة عنقه وألقاهما على الفراش وجلس مسندًا رأسه إلى الوسادة شاردًا يخرج زفرات تكفى لإحراقه، بل ربما احترق منذ زمن وهو لا يدرى ولم يعد يبقى منه الآن سوى رماد صار بقايا إنسان رغم ما يفعله لمساعدة الآخرين ليحيوا سعداء ولكن هذا لا يكفى ليكون الإنسان على قيد الحياة؛ إنه كالآلة تقدم العون إلى الآخرين لكنها بلا روح هكذا صارت حياته مد يده وفتح الكومود بجواره وأخرج منه إطارًا ذهبيًا يحوى صورة لوالده الذى يشبهه كثيرًا إلا من شارب كثٍ يميزه يبدو مبتسمًا ابتسامة عريضة، يجاوره فى الصورة سيدة جميلة ذات ملامح تركية تحمل طفلًا كانت والدته وكان هو ذاك الطفل تأمل يوسف الصورة فى أسى باكيًا بلا دموع؛ لم تكن الدموع من مفردات حياته ألقى بالصورة على الفراش وتنهد مستعيدًا ذكريات شكلت وجدانه وقناعاته "سأزورك من حين إلى آخر" كانت هذه آخر عبارة سمعها من والدته وقد حزمت حقائبها وتخلصت منه بينما والده قد ثبت فى مكانه يشبه تمثالًا جامدًا يستسلم لمالكه كانت هذه السيدة تملك والده كما يملك الإنسان سيارة يديرها كيفما يشاء لذا برحيلها صارت السيارة مهملة حتى تكهنت
أشجان هانم والدة يوسف فاتنة الإسكندرية من أسرة ثرية عريقة، وكان رب الأسرة مقامرًا والمقامر لا يلعب بأوراقه فقط بل يقامر بأوراق من يتعلقون به لذا اضطر إلى بيع أملاكه لسداد ديونه واضطر بعدها إلى تزويج ابنته من السيد "عونى مريد" والد يوسف حتى ينقذ أسرته من شبح الإفلاس وليضمن لابنته حياة كالتى عهدتها منذ نعومة أظفارها كان والد يوسف محاميًا ذا ثروة طائلة وشهرة واسعة فى الأوساط القانونية باعتباره محامٍ حاذق فى مهنته، ولكنه يكبر أشجان بخمسة وعشرين عامًا ولم تعارض أشجان بل قبلت فورًا الارتباط به لأنها لمست ولعه بها فأدركت أنه رغم مكانته القانونية سيصبح خاتمًا فى إصبعها ولن يرفض لها طلبًا، وانشغاله بعمله سيمنحها حرية اعتادت عليها وهكذا تمت الصفقة بين المال والجمال
مرت الأعـوام ومَنَّ الله عليهما بطفل جميل ولكنها لم تعبأ به لانشغالها بنفسها فأسندت تربيته إلى مربية كانت أمه الحقيقية وأباه أيضًا لانشغال عونى بعمله، فكان لقاؤه الوحيد بهما على مائدة الغداء وربما تعذر ذلك أيضًا فاضطر إلى تناوله مع المربية ورغم إهمالهما الشديد له كان يوسف متعلقًا بهما بشدة
تلخصت حياة أشجان فى النادى وحفلات الأصدقاء وصالونات الأزياء التى أنفقت عليها أموالًا طائلة دون أن يحاسـبها زوجها أو حتى يلقى كلمة لوم كى لا يغضبها، وبخاصة بعد أن تقدم به العمر وبدا المدى بينهما جليّاً، لقد أدرك بمرور الوقت أنه اشترى المرأة وعجزعن شراء قلبها فالقلب ليس سلعة تُعرض فى الأسواق يمكن شراؤها، كانت أشجان تعطيه بقدر ما يدفع
وبينما يوسف يقترب من التاسعة كانت والدته قد غرقت فى علاقة مع أحد رجال الأعمال تعرفت عليه من خلال النادى، استطاع هذا الشاب أن يعزف لحن حياتها ويلبى لها احتياجات أهم من المال وما يلبيه من سكن وطعام وملابس فاخرة شبعت منها لقد قدم لها ما كانت تحلم به قبل أن يلقى بها الواقع فى بئرهذا المُسِن، وسرعان ما تطورت العلاقة بينهما ليقرر"سليم" الزواج بها غيرمهتم لأمر طفلها ولم لا؟ لقد تزوج إنجليزية تعرف عليها فى رحلة إجازة صيفية بلندن وأنجبت له طفلًا، ثم دبت الخلافات بينهما فقـرر الانفصال عنها وتركها هى والطفل وعاد إلى مصر فلم يكن غريبًا أن يشترط عليها التنازل عن حضانة طفلها لتتفرغ له، ووافقت أشجان التى وجدت فى هذا الرجل تعويضًا عن سنوات جميلة بددتها فى سجن زوجها وجاءت اللحظة التى أحالت حياة يوسف من برودة الثلج الذى كان يعيشه مع والديه إلى جحيم مستعـر تشظى معه المنزل طلبت أشجان الطلاق من زوجها الذى بدا ذاهلًا متألمًا وتساءل:
ــ ماذا فعلت؟!
ــ لم أعد أحتمل هذه الحياة الذابلة التى سيذبل معها شبابى
ــ لماذا؟!
ــ أنت تعرف جيدًا
يحنى الرجل رأسه ثم يرفعها مفتعلًا الجهل: "ربما انشغلت عنك وأعدك أن أعوضك عما فات"
ــ يبدو أنك لم تفهم ما أعـنى ولكن يمكنك ذلك بنظرة يسيرة إلى المرآة كى تفهم ما أرمى إليه
ــ ولكنك تزوجتنى وأنت تعرفين ما بيننا من مدى زمنى ورحبت بذلك فماذا حدث؟!
ــ لم أرحب بل كنت مكرهة فلا يوجد امرأة عاقلة ترحب بالزواج من رجل يكبرها بسنوات تزيد على سنوات عمرها، لقد اضطرتنى ظروفى إلى ذلك ولم أعد أحتمل هذا القبر أريد الحياة
ــ أصبحت قبرًا الآن؟!
ــ بل منذ تزوجنا وأنا أشعر بذلك
ــ ولماذا لم تشعرى بذلك وأنت تغترفين من أموالى بلا حساب
ــ لم أعد أحتمل كفنك الحرير كان زواجنا صفقة قدمت فيها شبابى مقابل أموالك التى تعايرنى بها الآن أريد إنهاء هذه الصفقة اللعينة مقابل التنازل عن كل مستحقاتى ومعها ولدى
عقدت الصدمة لسان الرجل بينما أغلق يوسف باب حجرته بعد قذائف والدته التى تنازلت عنه وكأنه قطعة أثاث جلس يوسف على فراشه حزينًا بسبب أسرته التى تنهار لأنانية أمه واستسلام أبيه، ورحلت أشجان تاركة المنزل خلفها ينهار فأسلم الحزن عونى للخمر مهملًا عمله وابنه فقد عونى ماله وصحته وأصبح شبحًا لصيق الفراش بأحد المستشفيات يعانى تليفًا بالكبد وتكفل زوج أخته وصديقه الدكتورمختار بالإنفاق عليه وبرعايته ورعاية يوسف الذى فرح برعايته أيَّما فرح، ولم يكن ذلك شعور زوجته "منال" عمة يوسف التى أحبت مختار حبًا أقل ما يوصف به أنه مرض تمكن من نفسها، جعلها تأبى أن يشاركها أحد فى قلبه وتوفى عونى وأصبح يوسف أمانة أوصى بها أخته وزوجها
استأثر يوسف بقلب مختار فراح يشبع حرمانه من الأطفال باحتضان هذا اليتيم وقضاء أوقات طويلة معه، كان يأخذه معه إلى العيادة ويتركه مع راضى العامل أثناء انشغاله مع المرضى ويصطحبه إلى النادى يوم العطلة، ولكن القدر العجيب خبأ ليوسف ما لم يتوقعه
كان من الطبيعى أن يكون حب مختار نعمة يسعد بها يوسـف الذى بدأ ينسى ما حل به بسبب فيضان الحب والحنان الذى أغرقه به زوج عمته فأحال جدب حياته إلى بستان جميل يسكنه الأمل فى مستقبل مشرق، ولكنه على النقيض كان سببًا فى شقاء جديد يجدد أحزانه وآلامه ثارت منال بسبب إهمال مختار لها وانشغاله بيوسف عنها حتى وصل الأمر إلى هجر فراشها أحيانًا ليجاور يوسف، ويحكى له قصة طريفة قبل أن يخلد إلى النوم وربما نام مختار قبل يوسف فيرتمى فى حضنه ويطفئ نور الحجرة، وتظل منال تنتظرعودة مختار الذى ينساها ويقضى ليلته مع هذا الطفل الذى أنساه العالم بأسره حتى زوجته وحبيبته قررت منال استرداد زوجها وحبها الوحيد حتى لو اضطرت للتجرد من مشاعر الأمومة والإنسانية.. ذات ليلة بعد عودة مختار من العيادة وقبل أن يجلس سأل عن يوسف فنظرت إليه نظرة غضب متسائلة: "ألم يعد يشغلك فى هذه الحياة سوى يوسف؟!"
ــ ماذا بك يا منال؟!
ــ أمازلت تذكر ملامحى واسمى؟!
ــ لم كل هذا الغضب؟! ماذا فعلت؟!
ــ تلك هى المصيبة
ــ عن أى مصيبة تتحدثين؟!
ــ عن إهمالك لى بل وعدم انتباهك إلى هذا الإهمال لقد أسقطتنى من حياتك تمامًا
يبدو الحرج على وجه مختار:
ــ هذا أمر طبيعى لأن يوسف يحتاج إلى اهتمام كبير ينسيه ما حل به من مأساة وبخاصة أننى ألمس إهمالك له وحرمانه من طاقة حنانك وعطفك التى يحتاج إليها لتعويضه عن فقد والديه
ــ والده فقط؛ مازالت أمه على قيد الحياة
ــ ولكنها تركته وسافرت مع زوجها إلى الخارج
ــ أرأيت؟! أمه التى أنجبته وهو قطعة منها تنازلت عنه ولم تهتم لأمره، فهل سأكون أكثر حنانًا منها ومن الله الذى أراد له هذا المصير؟
ــ هل فقدتِ عقلك؟!
تقترب منه وتمسك بذراعيه وتنظر فى عينيه باشتياق:
ــ نعم أوشك أن أفقد عقلى لقد نسيتَ حبنا وغرامنا وليالينا الجميلة ألا تشتاق إلىّ؟!
ــ أنتِ تعرفين أننى أحبك ولا أحب سواكِ فى هذه الحياة
ــ كان ذلك فى الماضى أما الآن فقد صار لى شريك بقلبك وسيأتى يوم ويطردنى منه
ــ ليس صحيحًا أعدك أننى سأنتبه إلى ذلك مستقبلًا
ــ لن أقبل بأنصاف الحلول
ــ ماذا تقصدين؟!
ــ إما أن تودعه أحد الملاجئ ونرعاه من خلاله وإما أن ننفصل
ــ ماذا تقولين؟!
ــ لن أكرر ما قلت ولتنتبه أنه فى حال انفصالنا فالولد سيكون فى حوزتى بالشرع والقانون
تعثرت الكلمات على لسان مختار ثم عقب قائلًا:
ــ عن أى شرع وقانون تتحدثين وأنت تلقين بلحمك ودمك إلى الشارع؟!
ــ لن نتناقش فيما قلت لك
ــ يمكننا أن ننقله إلى مدرسة داخلية؟
ــ لا لأنه سيقضى الصيف معنا
يبادر مختار بالرد فتقاطعه منال بحسم: "لن أتناقش فى هذا الأمر وعليك أن تحسم أمرك الآن"
كانت منال عنيدة تتمسـك برأيها كما يتمسك الطفل الصغير بلعبته، لذا لم يناقشها فى الأمر وأخبرها بموافقته إيداع يوسف أحد الملاجئ فأصرت أن يكون ذلك فى الصباح الباكر فوافق كان يوسف يراقب الحوار المحتدم بين عمته وزوجها دون أن يشعرا به، ونزلت موافقة مختار على طلب عمته نزول الثلج على رأس المحموم فتحيل حرارته إلى برودة فأصاب جسده قشعريرة جراء الخوف من المسقبل الغامض بل المظلم للمرة الثانية تتحول حياته إلى جحيم بسبب امرأةبدأ يوسف يتخيل حياته داخل الملجأ رغم أنه لم يزر الملاجئ من قبل، فقد كان لديه صورة ذهنية عن الحياة فيها من خلال حديث والدته التى كانت تزورها ضمن اشتراكها فى إحدى الجمعيات الخيرية، ولم يكن دافعها المساعدة وإنما الشهرة التى تنالها بنشر صورها فى المجلات ضمن أخبار سيدات المجتمع، وقد أدرك من خلال حديثها قسوة الحياة داخلها والتى تشبه الإصلاحيات التى يقطنها الأحداث فازدادت رعدته وخوفه
قرر يوسف ألا يستسلم هذه المرة لهذا القدر، فإذا كان قد كتب عليه ألا يكون بلا أسرة ولا بيت فلن يكون الملجأ بيته الذى يقتنص حريته، سيكون الرصيف بيته وأولاد الشوارع أهله .. سيحيا كالطائر الذى يفضل الحياة على الأشجار ويتنقل بينها بحثًا عن الرزق بدلًا من الحياة فى قفص من ذهب يُقدَم له الطعام والشراب بلا مجهود وبلا حرية أيضًا على الفور نهض يوسف مسرعًا وحزم حقيبة ملابسه، حينما تأكد أن عمته وزوجها قد استسلما للنوم فتح باب حجرته وخرج فى هدوء.. أثناء سيره تعثر فى شبح جالس فى الظلام أمسك به فارتعد يوسف وكاد يصرخ فوضع يده على فمه، وحينما تأمله يوسف اتضحت معالم وجهه كان زوج عمته جالسًا فى الظلام وكم كانت دهشته حين رأى حقيبة ملابس يوسف بجواره فقاده ومعه الحقيبة إلى حجرته حتى يتمكنا من الحديث دون أن تشعر به عمته أغلق مختار الحجرة وجلس مجاورًا ليوسف على فراشه متسائلاً: "إلى أين؟!"
أطرق يوسف برأسه ثم رفع رأسه بوجه جامد: "إلى الشارع"
ــ لماذا؟!
ــ لقد سمعت كل شئ ولن اذهب إلى الملجأ ولن أكون أيضًا عبئًا عليك
تلعثم مختار وبدا عليه الحرج الشديد:
ــ سامحها يا ولدى أنا المخطئ؛ أوليتك اهتمامى وأهملتها وكان علىَّ أن أكون متوازنًا
ــ إنها أنانية مثل أمى
ــ لا تقل ذلك يا ولدى؛ إنها تحبك
ــ والدليل ما قالته لك إنها تلفظنى وأنا منها وأنت تعطف علىّ ولا صلة دم بيننا
ــ إننا جميعا أخوة فى الإنسانية
ــ أين الإنسانية؟! وهى تريد أن تلقى بى إلى سجن مظلم أحيا معزولًا بلا أهل
ــ قلت لك أنا المذنب
ــ لا بل وجودى هنا هـو ما أثار المشاكل لذا سأرحل لتعود حياتكما سعيدة كما كانت
ــ لا سعادة لى بدونك وهذا ما أرقنى وجعلنى أفكر فى حل يرضيكما معًا
ــ كيف؟!
انتظرونا فى الجزء الثانى
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك