من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

چنّي الليل

مي محسن عامر
چنّي الليل


التحفت السماء بالأرجواني بعد أن لملمت الشمس خيوطها وبدأت الرحيل. في ذلك الوقت وصلوا إلى تلك المزرعة القديمة التي ورثها توم عن أجداد أجداده. ترجل عن السيارة وهو ينفض عن كاهله السأم والقهر، مستشرقًا غدًا أفضل.

وقف أمام البيت يتأمله؛ طابقان صامدان في مجابهة الزمن رغم قِدمهما.

أطفاله يمرحون في المساحة الشاسعة، يضحكون ويركضون هنا وهناك، وقد بدأوا اللهو بالأرجوحة منذ الآن.

شرع توم في إنزال الأمتعة، وبين طيات قلبه آمال كثيرة.

ومع دقات الساعة العاشرة، خارت قوى الجميع، فاستسلموا للإرهاق وخلدوا إلى النوم.

كانت تتنقل بين الغرف والضيق يسيطر على عقلها؛ صناديق لم تُرتب بعد، أنفاس تخنقها، وأثاث يلوث بصرها، ومتعلقات متكدسة تعثر خطواتها.

دوت صرختها في أرجاء البيت، فاهتزت النوافذ والجدران.

انتفض الجميع مذعورين، وتوجه توم وبافي كلٌ إلى غرفة أحد الأطفال.

لم يتوقف صراخ شارلي، وكان يشير بإبهامه إلى أحد أركان الغرفة.

ضمته والدته محاولة تهدئته، وكلما نظرت لم تجد سوى ظل الشجرة أمام النافذة.

اضطروا للنوم جميعًا في غرفة واحدة؛ فالبيت فسيح، وهم معتادون على شقتهم الصغيرة في المدينة.

في الصباح توجه توم إلى سوق القرية، اشترى حصانًا وبعض الماشية والطيور، ولم ينسَ البذور ليبدأ زراعة الأرض.

خيم الظلام على حياة بافي حين رأت ما أحضره، وأدركت أنه أنفق كل المال الناتج عن بيع شقة المدينة. تحطم آخر أمل لها في العودة.

مرّ عام كامل وهما يبحثان عن عمل بلا جدوى، فكان الانتقال إلى هذا البيت الريفي مفرهما الوحيد.

بين ترتيب البيت والحظيرة، والبحث عن طرق الزراعة عبر الإنترنت، كان توم يهرول طوال اليوم، وحتى أطفاله الثلاثة شاركوه العمل.

جمعوا متعلقات الأجداد في البدروم، عدا بعض الألعاب القديمة التي تعلقت بها كرستي، ابنتهم ذات العشر سنوات، فتركوها لها في بيت الشجرة.

في منتصف الليل، انتفضوا على ثغاء الخراف. لم يكن صوتًا عاديًا، بل صراخًا حادًا.

وجد توم أحد الخراف منحوًرا، والدماء تغمر المكان، بينما انكمشت باقي الخراف في ركن الحظيرة.

استبد القلق بروحي توم وبافي: من فعل ذلك؟ ولماذا؟

مع حلول الليل، وبينما كان يتفقد النوافذ، تجمد توم عند نافذة الممر بالطابق الثاني.

رأى كهلًا يجلس أسفل بيت الشجرة، يحدق إليه بعينين اخترقتا روحه رعبًا.

ركض إلى المطبخ، عاد بسكين، لكن المكان كان خاليًا.

لم ينم.

وفي الصباح لم يجد تفسيرًا، حتى صرخت بافي؛ طفلها الصغير محموم، جسده متصلب.

في المشفى لم يظهر شيء… عادوا به سليمًا.

توالت الهمهمات، وانقطعت الكهرباء، وصار الصوت أنثويًا يخرج من البدروم.

وحين حاول توم إصلاح القواطع، شعر بأنفاس تخرج من خلف الباب، ورأى خيال فتاة اختفى فجأة.

في مساء آخر، كانت كرستي تتأرجح بقوة.

وفجأة… يدٌ دفعتها، فسقطت.

ركض إليها، لكن المشهد تغير؛ كانت تضحك، وأخوها يدفعها، والشمس تملأ المكان.

نظر إلى نافذة الممر، فرأى فتاة بشعر أسود وعيون متوهجة، فتجمدت أوصاله.

تكررت الهمهمات:

«دع بيتي لي وغادر»

وحين وجد شارلي فاقد الوعي، أدركت بافي أن هذا البيت ملعون.

لكن توم تشبث به… حتى ظهر الكهل مجددًا، مهددًا بروح أحد أطفاله.

هرب توم إلى الكنيسة.

واجه الكاهن الشبحين، وتلا صلواته حتى دلته الفتاة على مكان دفنها أسفل الشجرة.

كانت فتاة سقطت وماتت، فدفنها جدها سرًا، ومات حزنًا بجوارها.

أُخرجت عظامها، ودُفنت بسلام.

وفي ذات اللحظة، عاد قلب الطفل ينبض…

وانتهى كل شيء.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6092
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.