من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

زهرة الحي " قصة قصيرة "

جيهان عوض البنا
زهرة الحي


وكأنَّما أُسدلَ على هذا الحي ستارةً خرقاء عطنةَ الرائحة بلوْن الظلام الذي يعيشونه. وحدَها "زهرة" هي النَّبتة العَطرة بهذا الحي، هي الشجرةُ الوارفَة في الأرض الغثَّة. قيلَ إنَّ لعنةً أصابت تلك البقعةَ النائية مذ زمنٍ بعيد، لم يطئها غريبٌ إلّا وقد أوذي، أمّا ساكنوها فورثوا كلَّ مرادفات السّوء والأذى. كانتِ الحارة السوداءُ من بين حاراتِ المدينة، لطالما نفتْ زهرةُ تلك الأكاذيبَ والخرافات ولم تصدقها رغمَ إصرار ليلى جارتها-إحدى بنات الليل- على تكرارِ تلك الأساطير على مَسامعها، تخبرها أنَّ اللعنةَ لن تنتهي إلّا إذا عانقَ العهرُ الطُّهر, ودافعَ عنه مَن بقلبه ولو ذرَّة من فضيلة.. هكذا أخبرتها جدتُها، تستطردُ مُستنكرة:

- "ولكن مِن أين يأتي بهذه الفضيلة! فاللعنةُ ستُصيب الجميع وتورثُ جيلًا بعدَ جيل؟".

 انتبهتْ لصوت الشيخ الذي يمرُّ عليها كلَّ أذانٍ ليذهب للصلاة في الحي المُجاور, ويختلس النظرَ إليها وهو يتمتمُ على مسْبحتِه التي لا تفارق أصابعَه، يلملم عباءته لتَفادي الوحلَ أمام بيتها، تهمسُ لها أن تحافظ على براءتها مهما كلَّفها الأمرُ, ولا تفعلُ مثلما فعلتْ معظمُ فتيات الحي، تعود بيتَها شاردةً لا تعي ما سمعته فهي مازالتْ صغيرة على حدِّ قولها..

 كلَّما مرتْ على صِبية ممَّن يطوفون ليلًا بلا وجهةٍ أسالتْ لعابهم تلك الشَّهية؛ لكن لم يجسرْ أحدٌ يومًا لمَساس هذا الجمال أو الدُّنو منه، كأنَّهم يستحيونَ أن ترى هيئتهم الرثَّة، أو بالأدقِّ هُم لن ينالوا منها ولو نظرةً عابرة، ثمَّ كيف تنظرُ الزهرة لجرذانِ الحي؟ هي لا ترى إلّاه، لا يشغل عقلَها وقلبها إلّا "مراد"، أمّا هو فشاغلُه هو أن يمرَّ يومه وقد امتلأتِ البطونُ الأربعة، هو وأمُّه وأخواه "سيد" و"علي" حدَّ الكفاف بأيِّ وسيلة حتى لو اضطرَّ للشحاذة.

 أكثرُ ما كان يعجبُها فيه أنه مهْما بلغَ منه الجوع مبلغَه لا يمتهنُ مهنةَ الصعاليك, ويلجأ لبيْع الحبوب المخدِّرة أو فرز النفايات لإعادةِ تدويرها كما يفعل البعض؛ لذا تنبعثُ منهم رائحةٌ كريهة مهما أبقيت على مسافة منهم، مختلف هو عنهم على الأقلِّ بنظرها.

وعلى غير العادة تأخرَ مراد حتى جنَّ الليل, وفي عودته تلاقتْ أعينهما. رأته للمرَّة الأولى وجهًا لوجْه بعدما كانت تترقبُه من وراء ستارِ نافذتها في ذهابِه وإيابه. سحبته عيناها في لججٍ من التِّيه حتى نسيَ إلى أين وجْهته، رائحتُها عطرة ليست كالآخرون، فستانُها مُهندمٌ ناصعُ البياض، هي زهرةٌ بحق.

أمَعقول! أهذه زهرةُ التي كانت تلعب مذ زمنٍ ليس ببعيد معَ بنات الحارة أمامَ دكان عمّ حسن البقال؟! 

كانت تُناديه بـ (عمّ حثن) ويضحك الجميعُ وهو مِن بينهم، تُرى هل مازالت تتلعثمُ في الكلام؟

 بادرَها بالسلام, فردَّت بتلعثمٍ ولكنْ هذه المرَّة بسبب الخجل، ضحك وقال:

- مازلتِ تتلعثمين؟!

- لا لا.. وعليكم السلام.

- أنتِ زهرة بنت عمِّ صابر, أليس كذلك؟

- هو كذلك.

- ازددتِ حُسنًا عما كنتِ.. 

أدارتْ وجهَها باستحياءٍ فسارع بسؤالها:

- لمَ تسيرين بوقتٍ متأخِّر وحدَك بهذا الظلام, وتعرفين خطورةَ المارّين بهذا الطريق مِن المُتسكعين وأولاد الحرام، ألم يخبرْك أحدٌ عن اللعنة!؟ 

- كنت أجلبُ لأبي عشبةَ الحلفا برّ؛ لأنَّ وجعَ كُليته بدأ يعاودُه مرَّة ثانية.

وقبلَ أن تسأله عن حقيقةِ اللعنة أخذَ يلهجُ بالدعاء لأبيها..

 وعلى مَقربةٍ منهما كان هناك مَن يراقب بعيونٍ مُضطرمة وقلبٍ متأجِّج وحولَه مَن هُم يشاركونه هذا الاتِّقاد. إنَّه فتحي زعيمُ الصعاليك، دهسَ بقدمِه سيجارته المحشوَّة وأطاحَ بزجاجة الخَمر في الهواء لتتناثرَ شظاياها وتهشم أكوامَ الزِّجاج المكوّمة على ركام النفايات بجانبهم, وقال بكلماتٍ كاللَّهب:

- أهذه مَن كنّا نتوارى كي لا ترى دناسةَ ملابسنا، ولا تشتمُّ رائحة نَتنِنا؟ ماذا يفرقُ هذا القذر عنّا؟ بحقِّ كلِّ الأيام التي حُرمت من لَعق شهدِها، وبحقِّ كلِّ الليالي التي اشتهيتها ولم أتجرَّأ على الدنوِّ منها، لن أدعَ الليلة تفوت إلا وهي بأحضاني تستغيث!

غمغمَ الجميع وخشعت أبصارُهم وتحيَّنوا وكأنَّ انتصارَه انتصارُهم جميعًا.

بخطى مُحملةٍ بالضغينة والترصُّد اقتربوا منهما، بعدما كادَا أن يتفرَّقا كلٌّ لحال سبيله. ناداها فتحي بصوتِه الأجشِّ الذي رجَّ كيانها. فزعَ مراد وهو يلتفتُ لفتةً عفوية من بعيدٍ لينظر لزهرة وقد أحاطَها الذئاب، بينما هم يحاصرونَها, وزعيمُهم يردِّد: 

- إنها اللعنة! إنها اللعنة!

وكأنَّما تحققتِ اللعنةُ وعانقَ العُهرُ الطهرَ، فهل سيبرأ؟

هُرِع مراد إليها فأمسكَ به بقيةُ الحشد وأبْرحوه ضربًا. حاولَ مرارًا التملصَ منهم وهو يشاهدُ البراءةَ تنتَهَك دون جريرةٍ فعلتْها، يلثمُ فمَها كي لا تصدر صوتَ استغاثة، كلما كشفَ عن ساقيها تُسارع بكلِّ ما أوتيت من قوَّة بدفعِه. صفعَها على وجهها وعضَّ على يديها بوحشيَّة، ثمَّ انقضَّ عليها كالذئب ينقضُّ على فريستِه بلا رحمة، تقاوم.. وتقاوم دونَ فِكاك، تحاول التملصَ بلا جدوى، تقاتل ولكنْ لا مَناص، قد فرطَ منها عقدُ التَّصدي وأنهكتها المدافعةُ فصارتْ تحتَ قبضته كالخرْقة، صراخُها مكتوم، ثيابُها ممزَّقة.

 ومراد يستنجدُ ولا مُغيث، ولمّا ذبحَ براءتها بنصْل الغدر واختلطَ الماء الآسنُ بماء الزُّلال لينتجَا سيلًا دامٍ. تركَها مُلقية تسارع أنفاسِها ثمَّ أمرهم أن يجرِّدوا مراد من ملابسِه, ورمْيه بجانبها وصاحَ بعلوِّ صوته:

- يا أهلَ الحي، تعالوا لترَوا انتهاكَ حُرمتكم, واحْكموا على فاعلها.

يا غافلونَ زادَكم وسخًا على ما أنتُم فيه، أفيقوا من سُباتكم وسارعوا.. ألا انهضوا! 

قالها ثمَّ بصَق..

هُرِعوا جميعًا ليروا ما الخطبُ إذْ بزهرتهم مُلقاةٌ وفستانها ناصعُ البياض قد تلطَّخ بالوحل وخضَّب ذيلَه بالدماء, ومراد ملقًى جانبَها مَنزوع منه قميصه, وفي حالة إعياءٍ شديدة، فُزعوا لما رأوا وتعالى الصياحُ من الرِّجال, ولطمتِ النساءُ خدودهن، أمّا الشيخ فقدْ لملمَ عباءته بعد أنِ التهمَ العارية بنظراته الجائعة!

بُهتوا حينما رأوا سترةً تُطرح على المسْلوب عفَّتها بغتة دون سابقِ إنذار، التفّوا جميعًا ليروا مَن ذا الذي ألقاه

إذْ بـ "ليلى" وقد خلعتْ وشاحَها وظلَّت بملابسها شبه العارية لتسترَ زهرة..

ثمَّ قالت والدمعُ يسيل من عيونِها المُكتحلة بنوعٍ رديء من الكُحل حتى صارَ وجهُها مرعبًا في الظلام:

- ها وقد أبتِ البيئةُ الملوَّثة أن تحملَ قلبًا نقيًّا، استروها وكفاكم خزيًا!

ألجمَهم قولها وأخرسَهم ولبثوا كما الأصنامُ متراصين لا حراك.

وظلَّت رائحتُهم كما هي عطنة.. وأيضًا.. لم تنتهِ اللعنة!

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6107
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.