من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حين تُشوَّه الرحمة: الكلاب الضالة بين العاطفة العمياء وحق الإنسان في الأمان

منى ياسين
حين تُشوَّه الرحمة: الكلاب الضالة بين العاطفة العمياء وحق الإنسان في الأمان


عندما عدت إلى منزلي ليلًا، وجدت أكثر من عشرين كلبًا ضالًا نائمين على الرصيف، يسدّون الشارع بالكامل. أيقظهم صاحب أحد المحال بإلقاء بعض الحجارة، فابتعدوا. المشهد لم يكن استثنائيًا، بل صار مألوفًا في شوارع كثيرة. كنت أحمل معي قراقيش، أخرجت واحدة وناديت أحد الكلاب.

اقترب بحذر، فوضعت الطعام على الأرض، ثم فعلت الأمر نفسه مع كلبين آخرين. لكن ما لفت انتباهي أن الكلاب لم تفهم ما هذا، توجست خيفة وابتعدت.

لطالما رأيت الكلاب حيوانات مسالمة، غلبانة، ناقصة حنان، لا تؤذي إلا إذا أُوذيت. لكن ما يحدث اليوم مختلف تمامًا. خلال الفترة الأخيرة تغيّر سلوك الكلاب الضالة بوضوح.

لم يعد وجودها صامتًا أو عابرًا، بل صار صاخبًا ومقتحمًا.

نباح متواصل ليلًا ونهارًا، بلا اعتبار لمنطقة سكنية أو بشر يعيشون فيها.

في السابق، لم أكن أعرف أن في منطقتي كلاب إلا مصادفة، أما اليوم فصوتها حاضر في كل وقت، ووجودها طاغٍ.

كثرة الكلاب لا تعني فقط إزعاجًا سمعيًا، بل تخلق حالة فزع حقيقية، خصوصًا لدى من يعانون من فوبيا الكلاب، وهم كُثُر وصامتون.

فماذا لو تحوّل النباح إلى هجوم؟ هذا ليس افتراضًا خياليًا، بل احتمال قائم.

كنت أظن أن كلاب منطقتي مسالمة، إلى أن واجهت جارتي صباحًا كلبًا كبيرًا اقترب منها ووقف على ساقيه الخلفيتين، كأنه يطالبها بالطعام.

هي ليست ممن يطعمون الحيوانات، ولولا ثباتها الانفعالي، لكان المشهد كافيًا لإصابتها بأذى حقيقي.

حين أُطعم حيوانات الشارع، يكون ذلك من بقايا الطعام، لا من أطعمة مخصصة.

ليس تقصيرًا ولا قسوة، بل وعيًا بأن هذا ليس دوري، ولست مسؤولة عن إعالتها، ولا عن تعويدها على الاعتماد على البشر أو فرض استحقاق عليهم.

ومع الوقت، بات واضحًا أن الإطعام العشوائي، مهما كانت نواياه حسنة، ساهم في تغيير سلوك الكلاب.

أصبحت تتعامل باستحقاق مع أي شخص يمر في الشارع، وإذا كان يحمل كيسًا، اقتربت منه ونبحت عليه إن تجاهلها.

تحولت إلى مجموعات تفرض سيطرتها، كل مجموعة تدّعي ملكية المكان، واختفى الخوف الطبيعي من الإنسان. 

وكم استيقظت فزعة من نومي على نباحها الوحشي تجاه بعضها البعض، حين تمر مجموعة غريبة بالقرب من "منطقتها". فزعت وأنا في بيتي، خلف الجدران، فماذا لو كنت في الخارج؟

وهذا ما حدث بالفعل.

عدت ذات مساء لأجدها مفترشة الرصيف أمام بوابة منزلي. وحين اقتربت لأدخل، زمجرت تجاهي مع نباح حاد، وكأنني أنا المتطفلة التي أقلقت راحتها. ولولا تعاملي السابق معها، وثباتي الانفعالي، لا أدري كيف كان سيتطور الموقف.

وكم هرعت إلى الشرفة على صرخة طفل مذعور، تلاحقه الكلاب بنباح شرس.

ومع انتشار حوادث هجوم الكلاب على البشر في مختلف المناطق على أنحاء الجمهورية كافة،

وعندما يتحول وجود الكلاب الضالة إلى خطر حقيقي يهدد الناس، فإن هذا لا يُعد قسوة ولا عداءً للحيوان، بل مسألة أمان.

وهذا الموقف ليس مزاجًا شخصيًا، بل له أصل ديني واضح في الأمر النبوي بقتل الكلب العقور، حتى في حالة الإحرام.

أي الكلب الذي يؤذي ويهدد، لا الذي يمر بسلام.

وإذا كانت لجان حقوق الحيوان حاضرة بقوة، فمن حقنا أن نطالب أيضًا بلجان حقوق الإنسان،

لأن حياة الإنسان وأمنه لا يجب أن يكونا محل مزايدة عاطفية.

والتي تكتب هذه السطور تحب الحيوانات كافة ومع الرفق بها طالما لم تتسبب في أذى الإنسان بأي صورة، لكن الرحمة بالحيوان لا تعني ترك الأذى ينتشر، ولا تعني أن يُطلب من البشر التعايش مع الخطر في صمت.

أنا ضد إيذاء أي كائن بلا سبب، ومع الرعاية المنظمة والواعية. لكن عندما يتحول الكلب الضال إلى تهديد حقيقي، فهو كلب عقور، وله حكم واضح، لا يخضع للشعارات ولا للشتائم.

أما من يخلط بين الرحمة وترك الأذى، فهو بحاجة إلى مراجعة فهمه، ومن يسبّ أو يفتري باسم الدين، فلا يمثل الدين في شيء.

فالدين لا يقدّم العاطفة على حفظ النفس، ولا يطلب من الناس التعايش مع الخطر باسم الرحمة.


وأما عن الحلول المطروحة كالتعقيم أو الملاجئ، فهي في حقيقتها إضاعة للموارد وهروب من المسؤولية الحقيقية.

التعقيم لا يحل المشكلة القائمة الآن: النباح المستمر، التجمعات المخيفة، السلوك العدواني، الخطر المباشر على الناس. 

التعقيم يوقف التكاثر، لكنه يُبقي على الكلاب الموجودة حاليًا في الشوارع لسنوات قادمة، وهي ما زالت تشكل التهديد نفسه.

أما عن الملاجئ، فنحن هنا نُغيّر النظام البيئي للكلاب، كأننا نُدير مشروع تسمين عجول. الكلاب حيوانات لها منطقها الخاص، وهي قادرة على أن تأكل نفسها بعيدًا عن الناس، في بيئتها الطبيعية، لا في قلب المناطق السكنية حيث تتحول إلى عبء وخطر.

الحل الأكثر منطقية هو التصدير لدول تحتاج إلى كلاب أو تتعامل معها بشكل مختلف، وهو إجراء موجود في بلدان كثيرة ولا يتعارض مع أي مبدأ إنساني.

وفي النهاية، ما تراه الدولة مناسبًا، نحن معه، طالما أنه يحمي المواطنين ويحفظ أمنهم وسلامتهم. فهذا دورها الأساسي، وليس دور المبادرات الفردية أو الحملات العاطفية التي تُلقي بالمسؤولية على المواطن بدلًا من المؤسسات المعنية.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6111
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.