من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قصة " ستي ستيتة "

إيمان العسال
قصة


على أعتاب إحدى القرى، انطفأ القنديل في بيت أمي سكينة. التي تجاوزت الأربعين بقليل ، وقد بدا أن البكاء الذي قطعته أختي الرضيعة للحظات لم يكن سوى استراحة... حسبتُها ستكف عنه، أو ربما كانت تودّعه، لكن الواضح أنها كانت تودّع شيئًا ربما لا نعلمه .

كنا سبعة من البنين والبنات، وكانت الدار تُقاسمنا فيها الحيوانات التي تساعدنا في المعيشة ، وقد صادف أن وضعت لنا الجاموسة عجلاً في الوقت ذاته الذي وضعت فيه أمي ، ثَمَّة علاقة غريبة ربطت بين أمي وبينها ، بعد أن جف ضرعها عن درّ الحليب لصغيرها . لم أكن أفهم وقتها: هل بين أمي وتلك الكائنة لغة لا نفهمها؟

كانت أمي تصنع للعجلِ غذاءَهُ كما تصنع لأختي الماءً المُحلى بالسكر ، ظلّ الحال هكذا ، حتى قالت خالتي لأمي" أنتِ متشاهرة! " يكونش أبو العيال دخل عليكِ وهو حالق ضحكت أمي وقالت: "هو لاقي وقت يحلق؟ ده شقيان ليل نهار!"

عادت خالتي تُلح : "يكونش حد دخل عليكي شايل لحمة؟" فترد أمي باستنكار هادئ : "هو انتي بتصدقي في الكلام ده؟"

لكن رغم ردّ أمي، ظلّت الأفكار تراودها كلما نظرت إلينا، وكنت أسمعها تحدّث نفسها: "هما هيبصولي على إيه؟ على همّ العيال اللي شايلاه "

كنت أحاول جاهدة مساعدتها من وقت لآخر، فأحمل عنها أختي الرضيعة التي لا يفارقها البكاء منذ أن جاءت الدنيا. ليس هذا فحسب بل كنت أراقبها تدخل الحظيرة وتحدّق وتهمس "تكونيش اتنظرتي أنتِ كمان ؟ " ثم تمسح على ظهرها وتقول بصوت مسموع: "والله لأنا قايمة عاملة لعجلك الأكل، ولا تزعلي نفسك." ثم تنهض لتحضّر له طعامًا خليطاًً من الردة والبلح اليابس والماء الفاتر ، كانت تطعمه كما كانت تفعل مع أختي .

ظل هذا الحال أسابيع، إلى أن جاءت "ستي ستيتة"، امرأة عجوز تجاوزت الثمانين من عمرها، تتشح السواد ، عيناها بيضاوان ، تتكئ على عصا تساعدها على الإبصار ، قابلناها جميعًا بالترحاب. سألتها أمي " إلا قوليلي يا خالة اعمل ايه لجاموستنا اللي لبنها منحاش ، العجل هيموت ؟ ، فتعجّبت من ردّها، وبدّل وجه أمي ملامحه فور سماع ما قالت.

أدار أبي وجهه ، وترك كوب الشاي من يده ، وتوجه بسجادته ومسبحته إلى غرفته ، لم ينطق بكلمة ولم نرَ بعينيه سؤالاً .

ذهبت "ستي ستيتة" وخلّفت وراءها همًّا أكبر، لكن أمي حسمت أمرَها ، ربما كان العجز عن الفهم ربما هو ما فتح الباب .. 

 وقفت امي بباب غرفة أبي ، رأته وهو يُصلح من وضع سجادته ونظر إليها وقال بصوت وصل إلينا " نصيبك ارضِ بيه واللي مالكيش فيه مش هتلاقيه " 

سمعته أمي ولم تُعقب لكنها همست ببعض كلمات : " طيب والبت " 

تركته يصلي ، واتجهت لجارتنا وطلبت منها مصاحبتها عقب صلاة المغرب للذهاب للمقابر رغم رجفة قلبها ، وبالفعل ذهبتا سوياً وبيد أمي حبل الجاموسة التي وضعته على أول مقبرة كما قالت ستيتة ودخلت من أول حارة ورددت " مسا الخير يا اللي ما بتردوا المسا خدوا حبل جاموستنا ، جاموستنا معكسة "ولفت من الخلف لتخرج من الحارة الثانية فوجدت قبراً مفتوحاً و ظِل يظهر على ضوء القمر الخافت وصوت لحفر وتراب مبلل يتناثر على قدميهما ، خفق قلبا أمي و جارتنا ، و ظلتا تركضان حتى وصلتا إلى الدار ثم قصت علينا جارتنا ما حدث .

و مع بزوغ الفجر ذهبت أمي وجارتها مرة أخرى للمقابر وقد تخلى عنهما الخوف فقد أعلنت الشمس عن ظهورها ، لقد فعلت ما فعلته امس واخذت تُردد " صباح الخير يا اللي ما بتردوا الصباح ، هاتوا حبل جاموستنا العكس عنها راح " وأخذت حبل الجاموسة ، وحدثت المفاجأة .. وهى بطريقها للدار ، انساب اللبن من صدرها و تشبع به رداؤها ، وما إن رأت بدر تتقلب بين ذراعيَّ ، تحرك أطرافها بعصبية ، حتى قالت : " البت بترفس و بتتلوى كدا ليه هاتيها هاتي " و انتزعتها مني وضمتها إلى صدرها لترضعها ، فجأة قذفت بها نحوى وكأنها تتبرأ منها فكادت تسقط ، واندفعت نحو الداخل وكأن هناك من ينتظرها ، وإذ بي أسمع عويلها وهى تردد " يا خراب بيتك يا سكينة يا خراب بيتك يا سكينة ! "

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6112
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.