الفصل الثانى (4) الجزء الثانى
ــ ستعيش فى منزل راضى العامل بالعيادة أنت تعرفه جيدًا
ــ راضى!
ــ نعم ستعيش مع زوجته وأولاده إنه رجل بسـيط الحال ويعيش فى حى فقير أدرك أنك لم تألف هذا النوع من الحياة، ولكننا نضطر أحيانًا إلى أشياء عسيرة علينا وبمرور الوقت نألفها ونتكيف معها هكذا خلقنا الله
ترتسم نظرة انكسارعلى وجه يوسف يعقبها لمعان دموع تأبى أن تبرح عينيه فتثير مختار أكثر مما لو سالت فيحتضن يوسف بحنان:
ــ ليس بيدى يا حبيبى وأعدك أننى سأزورك ونخرج سويًا فى العطلة الأسبوعية
ــ كيف سيتحملنى الغرباء ولم يحتملنى أهلى
أذهلت مختار كلمات يوسف كيف أصبح ناضجًا إلى هذا الحد؟!
ــ لا تخف يا حبيبى فسأدفع له مبلغًا كبيرًا ليرعاك هذا إلى جانب ثقتى به فهو رجل طيب أمين وزوجته امرأة حنون وأنا واثق أنك ستحبهما، وأعدك أن تعود إلى منزلك ثانية هل اتفقنا؟
ــ كما تشاء يا عمى
فى الصباح الباكر استقل يوسف السيارة مع زوج عمته واتجها إلى بولاق حيث بيت راضى وعندما وصلا إلى الحى أوقف مختار السيارة، ونزل منها وقرر أن يسيرا إلى بيت راضى لأنه يعيش فى حارة صغيرة لا تتسع لها سيارة مختار
حينما توغلا فى الحى صُدِم يوسف من مشهد المنازل المتلاصقة المغطاة بالتراب، والأطفال الحفاة يلعبون فى الأزقة بملابس رثة وعربات الفول والخضر وصيحات البائعين، إنها دنيا جديدة لم يعهدها يوسف فتوقف عن السير لحظةً تأمل فيها زوج عمته بنظرات كسيرة حزينة بادله زوج عمته نفس نظرات الحزن، ولكن يوسف سرعان ما تذكر استعداده إلى الحياة على الأرصفة فتقبل الواقع واستمر فى السير، وحينما اقترب من بيت راضى وجده ذا باب ضيق يتسع لعبور شخص واحد فدخل يوسف ثم مختار
كانت شقة راضى فى الطابق الأرضى، دق مختار الباب ففتح راضى الباب بابتسامة صافية محييًا الدكتور ويوسف ثم دعاهما إلى الدخول فدخل مختار ومعه يوسف وحقيبة ملابسه، فتأمل يوسف البيت المكون من صالة ضيقة بها كنبة "إسطنبولى" ومائدة مستديرة قصيرة القوائم مسندة إلى الحائط يتفرع من الصالة حجرتان، وطرقة صغيرة يبدو منها باب الحمام والمطبخ
جلس مختار يحاور راضى بصوت منخفض شرد يوسف وهو يتخيل حياته الجديدة فى هذا الجحر الضيق مع أسرة تتكون من رجل وزوجته وخمسة أطفال
تشاحنت التساؤلات برأسه هل سيتحمل هذه الحياة ويتكيف معها؟! متى سيفارق هذا المكان ويعـود إلى حياته التى عهدها؟! وكيف سـيذاكر وسـط هذا الزحام والصخب؟! وكاد رأسه ينفجر من قسوة الأسئلة التى لا أجوبة لها، لكنه فى النهاية لايملك اختيارًا كل ما يملكه صبر على ما اضطرته الحياة إليه وأمل فى تغييره
قطع شرود يوسف يد مختار تربت على كتفه: "إلى أين ذهبت يا يوسف؟!"
ــ إلى الضياع
يجثو مختار على ركبتيه مواسيًا: "كن رجلا وتحمل الحياة هنا لفترة أعدك أنها لن تطول"
هز يوسف رأسه مستسلمًا لقدره ثم قبله مختار واحتضنه مسيطرًا على دموعه ثم رحل وتركه لمصيره وحياته الجديدة
قرر يوسف أن يتحمل ظروفه الجديدة متسلحًا بالأمل فى العودة إلى بيته قريبًا، ومرت الأيام الأوائل كأصعب ما يكون، كان راضى يستيقظ مع آذان الفجر ويذهب إلى الجامع ليصلى بينما تستيقظ زوجته لتنظف البيت وتملأ الأوانى الفخارية بالماء، وتعد الطعام ثم يذهب إلى عمله بالمستشفى صباحًا، وتذهب زوجته إلى السوق لشراء الخضار، ويتفرق أولادها فى الشارع للعب بينما يبقى يوسف وحده بالمنزل الصامت كأبى الهول، منعزلًا عن الحياة وقد أغلق الشبابيك ليبتعد عن الصخب، ولا يوجد مذياع ولا جرائد فاضطر إلى فتح الشبابيك لمراقبة الأولاد يلعبون بالكرة المصنوعة من القماش وغيرها من الألعاب حتى تعـود سيدة زوجة راضى
كانت "سيدة" لا تعرف القراءة ولا الكتابة يفوح منها رائحة السمن البلدى وكان هذا الأمر يثير نفور يوسف فى البداية، لكنه ألف رائحتها بمرور الوقت فلماذا؟! لأنها كانت تفوح حنانًا وعطفًا افتقر إليهما مع سيدات المجتمع الراقى، وبمرور وقت قصير تحول إيلاف يوسف حياته الجديدة إلى تعلق شديد، لقد انخرط مع الأولاد فى لعب الكرة وعاش أوقاتًا جميلة كشهر رمضان والتجمع على مائدة الإفطار مع الأسرة التى منحته دفئًا وأمانًا، واللعب بالفوانيس الحديدية ذات الشمعة وصوت المسحراتى، والتجمع حول سيدة وهى تصنع كعك العيد وهم يساعدونها فى نقشه ويغنون ويضحكون وجولاته فى الموالد والصلاة فى سيدنا "الحسين" والسيدة "زينب"
لقد أدرك أن البيوت المتلاصقة تعبرعن حال ساكنيها المتلاحمين فى الأفراح والأحزان يؤازر بعضهم بعضًا رغم الفقر الشديد ولم يعد يشغله أمر العودة إلى بيته القديم، لقد صار هذا المنزل المتواضع عشه الأثير
مر عامان كان مختار خلالهما يزوره من وقت إلى آخر، ويأخذه فى نزهة إلى أماكن متعددة والعجيب أن عمته لم تطلب زيارته وكان هذا مؤلمًا له، ولكنه كان مريحًا لمختار وإلا انكشف الأمر
وفى نهاية العامين أهمل مختار زيارة يوسف ولم يكن ذلك لأنه نسيه أو لم يعد متعلقًا به ولكن لمرض زوجته التى أصيبت بسرطان الثدى واستأصلته على أثر ذلك فى مستشفى بالخارج ولازمت الفراش لتلقى العلاج الذى كان فى حقيقة الأمر مجرد مسكنات تعينها على الاستمرار فى الحياة حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا
أدرك مختار أن علاقة زوجته بالحياة على شفا الانقطاع لأن المرض تمكن من جسدها الذى استسلم له، وأدركت هى أيضًا ذلك وأصبحت تنتظر مصيرها بين حين وآخر وكان ذلك كافيًا لتتذكر ابن اخيها المسكين، وتطلب أن تراه ويعود إلى المنزل لتكفرعن ذنبها فى حقه
وعـلى الفور ذهب مختار إلى يوسف الذى رفض بإصرار عجيب رغم علمه بمرضها الشديد وندمها العميق على ما فعلت، وعاد مختار متحيرًا كيف يعلل لها عدم مجئ يوسف ليراها فاضطر إلى الكذب عليها، وأخبرها أن الملجأ أقام رحلة للأطفال وسيعودون فى وقت متأخر ووعدها أنه سيأتى به فى وقت آخر، ثم تعددت تبريراته لها بأنه شغل بعمله وعجزعن الذهاب إلى الملجأ ليأتى به أو أن الملجأ رفض بسبب الامتحانات
جاء يوم انخرطت منال فى نوبة بكاء شديدة وتوسلات له كى يأتى به إليها فاستنفرت دموعها مشاعره، وقرر أن يأتى به حتى لو اضطر إلى حمله والإتيان به عُنوة وذهب إليه فورًا ولكنه واجهه بالرفض القاطع فتوسل مختار إليه قائلًا: "إنها على فراش الموت تحتاج إلى الرحمة"
ــ ولماذا لم ترحمنى وأنا لم أرتكب ذنبًا حيالها؟!
ــ لا وقت لدىَّ للجدال إننى أصارع الزمن ويجب أن تأتى معى الآن؛ ربما تغادر الحياة بين لحظة وأخرى أرجوك يا ولدى
ــ لا تجهد نفسك معى فلم أعد فى حاجة إليها ولا أعبأ بآلامها
يباغته مختار بصفعة كريح دفعت بابَا بحدة ثم عقب: "سـتأتى معى بإرادتك أو رغمًا عنك"
ــ أتصفعنى؟!
ــ نعم أنت تستحق ذلك لأنك لا تقدر آلامها ورغبتها الشديدة فى رؤياك
يستسلم يوسف لنظرات الإصرار فى عينى مختار ويهز رأسه موافقًا فأسـرع مختار ومعه يوسف إلى المستشفى وحينما وصلا أوقفه مدير المسـتشـفى ومنعه من الدخول إلى حجرة منال، وبعد تردد أخبره أنها فارقت الحياة انهمرت دموع مختار وضرب رأسه فى الحائط ندمًا على حرمانها من رؤية يوسف
حينما كان الأطباء يخففون عن مختار كان يوسف يقف جامدًا كالصخرة الصماء؛ لم يعد فى قلبه مكانًا لأى امرأة فى الوجود وقرر منذ تلك اللحظة أن يوصد قلبه تجاههن جميعًا وأقسم ألا تدخل قلبه امرأة مهما كانت ومهما فعلت
وحادث نفسه بصوت مرتفع صارم: "لن أغـفـر لن أغـفـر"
طرق مختار الباب فانتبه يوسف من شروده فى كهف الماضى الأليم وأجاب:
ــ ادخل يا عـمى
ــ لقد أضعت الفرصة للمرة الثانية
ــ عن أى فرصة تتحدث؟!
ــ الفرصة التى ستعيدك إلى إنسانيتك وتحررك من سجنك اللعين
ــ أنا لا أفهمك
ــ لقد توفيت والدتك اتصل بى زوجها الآن وأخبرنى أنها ماتت وهى تناديك وتطلب رؤيتك
يغمض يوسف عينيه ثم يتنفس نفسا قويًا معقبًا:
ــ هذا اختيارها الذى تدفع ثمنه الآن
ــ إذن ستدفع أنت أيضًا ثمن اختيارك
ــ أنا لم أضر أحدًا
يتنهد العجوز: "أدعـو الله أن يغفر لكَ وألا يحاسبكَ بما فعلت"
!!!!!!
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك