أنيات صغيرة
استطاع فك ضفائري المعقدة التي صنعتها أمي، وأعاد عقدها قبيل عودتي للبيت بعد أن زينها بالشرائط الستان الحمراء. أذكره جيدا؛ هومن جعلني أتقبل نحافتي الشديدة وسماري الملفت، تركني أسبقه كلما تنافسنا حتى لا أبكي، جلب معي عبوات الجاز حين علم أنه ينسكب علي ملابسي كل مرة أشتريه فيها بمفردي. اشتري لي الخبز، بعدما انتشلني من الزحمة أمام الفرن، كان يؤلف لي القصص المشوقة، ويقلد حركات أرنوبي الذى أحبه. حكت لي أمه أنه ولِد قبلي بعامين، عامان كانوا سببا كافيا لأن يحافظ علىّ كقطته الشقية، وكنت أنا أجازف بكل قوة، وأتورط وأنا مطمئنة، ولا أعبئ كثيرا بتعثري.
أذكر أنه علمني عدد سنين عمري على كفوفه، وطالبني أن أشير إلى الرقم الصحيح، فأشرت إلي الإصبع السادس.
لا أذكر ملامحه جيدا في هذا السن لكنه كان عطوفًا، قاسمني البمبونى والكيك، وحدثني عن دراجته التي اشتراها له خاله في عيد ميلاده الثامن، وكان يربت على ظهري كلما ضربتني أمي.
ملامحه وهو في العاشرة كانت الأقرب لقلبي ولذاكرتي. كان يسكن البيت المقابل لنا، أمه صديقة أمي، يشربان القهوة كل يوم بعد العصر على "البسطة". لبيتهم شرفة واسعة، نلعب فيها من الصباح حتى المساء، نجمع مقتنياتنا من الشارع، نلم قطع خشب مكسورة، وبقايا قماش، وأواني بلاستيكية مستعملة، وبعض من الزلط والأوراق، ونصنع بيتًا، كل يوم نجهز حجرة. صنعنا وسائد وأسرة وطاولة للطعام، ثم مطبخا صغيرا ملأناه بالأطباق والأكواب الورقية. .
بعدما أعددنا البيت، أنجبنا خمسة أطفال، قمنا بصنع ثلاث عرائس من القماش واثنتان من الخشب، قص أطراف شعري وغرسه في رؤوسهم، ثم قررنا أن نرسم ملامحهم، رسمت أنا وجوه الصبيان ورسم هو وجوه البنات، صنعنا ملابس تناسبهم، لكنني مطلقا لم أجمع شعر طفلاتي الصغيرات في ضفيرة، تركته يتطاير خلفهن ولقد وافقني الرأي.
مع مرور الوقت صنعنا حجرة استقبال صغيرة، لملم المزيد من بقايا الأخشاب من ورشة النجارة القريبة منا، وأحضر قطع قماش بالية من خزانة أمه، وكون الحجرة التي ما استقبلنا بها أحدً قط.
كل يوم كنا نصحو باكرا ممتلئين بالشغف، كي نعيش حياتنا التي نحبها، كان يطهو معي الطعام، ويحضر الماء الساخن ليحمم أطفالنا. أخبرني بحبه للزراعة، حدثني عن حلمه ورغبته أن تصبح لدية مزرعة كبيرة، فغرسنا الفول والذرة في أنياتٍ صغيرات، كانت عبارة عن برطمانات حصلنا عليها من حجرة كراكيب أمي . ذهب إلى المدرسة قبلي، فكنت أنتظره في بيتنا حتى يعود بعد الظهر، كان يأتيني بوجبته اليومية فيطعمني الخبز والجبنة الهولندي.
قدمت لي أمي في نفس مدرسته، أخذني إلى جواره على دراجته الصغيرة، كان يتعارك مع من يسخر من نحافتي أو يضايقني، تهجى لي الكلمات الصعبة، وساعدني في كتابة الواجب وحل مسائل الحساب.
حين أصبحت في الصف السادس الابتدائي. بدأت أمي تلحظ أن ضفائري غير مشدودة، فاستدرجتني لمعرفة التفاصيل، فحدثتها عن الشرائط التي تفلت مني، وعن خليل ومحاولاته إعادتها كما كانت، فاحمر وجهها وصفعتني وأقسمت ألا أذهب إلى شرفتهم مرة أخرى وهى تردد: إلا الضفاير يابنت الكلب.
كانت أمي قد تجنبت أمه لأسباب لا أعلمها. فلم تعد تشرب القهوة معها في العصاري، ولم يعد يذهبن إلى السوق معا، وكلما رأتني أمه، حدثتني عن بنات الأصول اللائي يجلسن في بيوتهن ولا يلعبن مع الأولاد. فكنت أتسلل - رغما عنهن- بين الحين والآخر لأطعم العيال، وأبدل ملابسهم المتسخة، وكان خليل يترك لي الرسائل و السكر النبات داخل ملابس أطفالنا الصغار.
غادر رفيقي البيت بعد موت والده، وضع دراجته في الجرار الذى نقل متاعهم، فالتهبت قدماي من طول المسافة إلى المدرسة، وأصبحت مسئولة مسئولية كاملة عن بيتنا الصغير وعن نفسى، أهدهد حزني وأحمم الصغار، وأغسل ملابسهم، وأجلب لهم الطعام، وأجمع الخشب المكسور لأرمم أرجل الطاولة، ثم أتجنب العراك مع زملائي في المدرسة، وابتلع افتراء الصغار حولي في الشارع، وأتحمل ضفيرة أمي المشدودة.
أخبرتني أمي أننى صرت عروس وعلىّ أن أكف عن لعب العيال، ألبستني جلبابا واسعا، ووضعت فوق ضفائري حجابا مزينا بخرز ملون، وأحضرت لي حمالة صدر تشبه تلك التي ترتديها، لكنها أصغر حجما وأكثر جفافا، كانت تشدها على أضلعي عندما أخرج من البيت، أو يزورنا زائر.
صرت أسمع أطفالي يبكون ليلا، ويتضورون جوعا، أنادى على أباهم كثيرا، لكنه لم يعد يسمعني. لم يعد لي رفاق إلا خيالاتي الصغيرة، وبعض من الذكريات القديمة، وانتظار خليل على "بسطة" السُلم.
زوجتني أمي وأنا في السادسة عشر بعقد صوري. فكت ضفائري ورسمت شفاهي بالأحمر، ألبستني فستانا أبيضا طويلا، ومنحتني الحرية أن أفعل في شعري ما أريد بعد أن ملأت لنا البيت بالمتاع المعتم والخانق.
الرجل الذى دفع مهري وكتب الورقة، لم يتحدث إلىّ قط، لكنه أعاد عقد ضفائري فور أن غادر المعازيم، كان يطلب منى قطعة من اللحم النيئ كلما شعر بالجوع، وكلما شعرت أنا بالجوع حدثني عن ماضيه وعن فوائد النوم على معدة فارغة، كنت أقضى وقت فراغي في غرس الفول والذرة، وكان يتسلى بقطف النّوار والعبث به. شرفة بيته لم تسعني مطلقا، كانت ضيقة للغاية. لم يشتر في حجرة نومنا سوى سريرا بُني، فطلبت من أمي مرآه لأرى نفسى، فأحضرت لي قطعة صغيرة بإطار مذهب، كلما نظرت فيها رأيت وجهًا غير الذى أعرفه.
لازلت أسمع صوت بكاء أطفالي الخمسة كل ليلة، وأرى وجه أبيهم مقتضبا. لازلت أجمع المسامير وأدق بالشاكوش كما علمني، لأصلح البيت المتهالك.
كلما ذهبت لأمي لأشتكي تصرفات الرجل الذى يعيش معي، حدثتني عن بنات الأصول، أشارت إلى "فلانة وعلانة وترتانة"، حقا يحملون أسماءً مختلفة، لكنهم يتشابهون في كونهم بنات أصول، يتحملن الذل ويعمرن البيوت.
لم أنجب رغم السنوات الطوال، وكلما ذهبت لطبيب قال عاقر، فأضحك ساخرة؛ فأنا أم منذ طفولتي الأولى، أدعى دوما أني أتناول الأدوية بانتظام، لكنه مجرد ادعاء؛ فأنا غير مقتنعة بتشخيص الطبيب. لكنني كلما اشتقت للأطفال، فككت من منديلي الرمادي، وسكبت مدخراتي المعدنية، واشتريت لفافة من الحفاضات، وزجاجة من اللبن المحلى، وبعضا من الحلوى وذهبت إلى الشرفة الوسيعة أمام بيتنا المظلم.
تنوية:
القصة ضمن المجموعة قصصية " اختراق ذاكرة معتلة " ستصدر فى معرض الكتاب ٢٠٢٦
عن دار منازل للنشر والتوزيع
وفازت بجائزة الشيخ محمد بن صالح باشراحيل ..
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك