الضرائب العقارية من عبء إلى أداة نمو
كيفية استخدام الحوافز الجديدة لاعادة صياغة العلاقة بين الدولة والممول
في ظل سعي الدولة إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر كفاءة وعدالة، تأتي حزمة التسهيلات الجديدة في الضرائب العقارية كجزء من تحول أعمق في الفلسفة المالية، لا يهدف فقط إلى تحسين التحصيل، بل إلى إعادة تعريف الدور الاقتصادي للضريبة ذاتها. فالضريبة هنا لم تعد أداة جباية تقليدية، بل وسيلة لتحفيز النشاط، وتوسيع القاعدة الضريبية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي في الإطار المؤسسي، بما يعزز الاستدامة المالية دون الضغط على النمو.
اقتصاديا، تمثل الحوافز العشر في حزمة التسهيلات العقارية رسالة واضحة بأن الدولة تدرك أن تكلفة التعقيد الضريبي قد تفوق في بعض الأحيان العائد المالي المتوقع كما ان تبسيط الإجراءات، وإطلاق أدوات رقمية مثل تطبيقات الهاتف المحمول لتقديم الخدمات الضريبية، يعني خفض تكلفة الامتثال على الممول، وهي تكلفة غير مرئية لكنها تؤثر بقوة على قرارات الاستثمار والالتزام و كلما انخفضت هذه التكلفة ارتفعت درجة الطوعية في الالتزام واتسعت القاعدة الضريبية دون الحاجة إلى رفع أسعار الضرائب و ايضا التحول نحو الشراكة مع الممول، وليس التعامل معه كمجرد طرف خاضع، يعكس إدراكا متقدما لطبيعة الاقتصاد الحديث فاليقين الضريبي الذي تسعى الحكومة إلى ترسيخه يمثل عنصرا حاسما في قرارات التوسع والاستثمار، خصوصا في القطاعات العقارية والإنتاجية المرتبطة بها فالمستثمر لا يخشى الضريبة بقدر ما يخشى غموضها أو تغير قواعدها، ومن هنا تأتي أهمية الحزم التحفيزية المرتبطة بقواعد واضحة وآليات تنفيذ معلنة.
من زاوية أوسع، فإن ربط التسهيلات الضريبية بالتحول الرقمي واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضريبية يعزز كفاءة الإدارة المالية للدولة و يؤكد الاستخدام الأمثل لقاعدة البيانات الإلكترونية و التي لا ترتكز فقط علي تحسين التحصيل، بل تفتح المجال أمام سياسات ضريبية أكثر عدالة، قائمة على التحليل لا علي التقدير الجزافي، وهو ما يحد من النزاعات ويقلل الاحتكاك بين الممول والإدارة الضريبية.
اما عن الحزمة الثانية من التسهيلات و بما تتضمنه من نظام ضريبي مبسط وتمويلات منخفضة التكلفة للممولين المنضمين طواعية و التي قد تكشف ايضا عن توجه استراتيجي لدمج المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الرسمي و هذا الدمج لا يحقق فقط عائدا ضريبيًا مستدامًا، بل يرفع من إنتاجية الاقتصاد ككل، ويخلق قاعدة أوسع للنمو والتصدير فالاقتصادات القوية لا تقوم على عدد محدود من الممولين الكبار، بل على شبكة واسعة من الأنشطة الملتزمة والقابلة للنمو ، أما استحداث كارت التميزللممولين المتميزين، فيحمل دلالة اقتصادية مهمة، إذ ينقل النظام الضريبي من منطق الاجبار إلى منطق الحافز و مكافأة الالتزام الجيد بحوافز ضريبية وغير ضريبية تعزز ثقافة الامتثال، وتحول الالتزام من عبء مفروض إلى ميزة تنافسية و هذا التحول السلوكي هو أحد أهم عناصر الإصلاح الضريبي المستدام.
وفيما يتعلق بالضرائب على التصرفات العقارية، فإن الإبقاء على نسبة ثابتة وواضحة، مع تبسيط الإجراءات عبر تطبيق إلكتروني، يقلل من النزاعات ويشجع على الإفصاح الحقيقي عن القيم السوقية ، كما أن تسريع رد ضريبة القيمة المضافة والسماح بالمقاصة مع الأرصدة الدائنة يخفف الضغط على السيولة، وهو عنصر بالغ الأهمية في دعم النشاط الاقتصادي، خاصة في القطاعات كثيفة رأس المال.
نهاية فان القراءة الكلية لهذه الحزمة تشير إلى أن السياسة المالية لم تعد منفصلة عن أهداف النمو والاستثمار فخفض مؤشرات الدين، وتحقيق انضباط مالي، وتوسيع المساحة المالية للإنفاق الاجتماعي، كلها أهداف مترابطة مع نجاح الإصلاح الضريبي كما ان تنمية الموارد لم تعد تعني فرض أعباء جديدة، بل تسعي الي تعظيم كفاءة الموارد القائمة وتحفيز النشاط الاقتصادي ليولد إيرادات مستدامة كما ان حزمة التسهيلات في الضرائب العقارية اصبحت تمثل خطوة نوعية في مسار إصلاح مالي أكثر نضجا، يقوم على الثقة والشراكة والتحفيز، لا على التعقيد والضغط وإذا ما تم تنفيذ هذه التسهيلات بكفاءة وشفافية، فإنها قادرة على تحويل الضريبة من مصدر توتر بين الدولة والممول إلى أداة فاعلة لدعم النمو، وتعزيز الاستقرار المالي، وتحقيق توازن حقيقي بين حق الدولة وحق المستثمر.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك