من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

وجوه " قصة قصيرة "

حنان العطار
وجوه


يقف أمام مرآة مكسورة داخل حجرته المستأجرة، يحاول تعديل هندامه. تحت المعطف الجلدي الفاخر، تتمرّد الأقمشة المتجعدة لغياب الكيّ، لكنّه يتجاهل التناقض. يتأمل وجهه؛ حيث لم تمحُ الأيام ملامح الوسامة الطاغية: عينان مُلونتان حادتان، بشرة قمحية، وشعر كستنائي يلمع.

​لكنّ المرآة المنكسرة تُجبره على المواجهة الأعمق؛ فحركته تشطر صورته. في الجانب: يرى انعكاسه وهنًا واضطرابًا يحتضن بقايا من تميّزه الفطري، وفي المنتصف: تنقسم صورته نصفين، وكأنّ كيانين يتشابكان في صراع مميت، وكلاهما يستميت للانتصار على الآخر.

​يخرج إلى الشارع مرتديًا قناعًا يتقن تبديله بلغات مختلفة؛ يشاكس بائعة الخضار بخفّة، يقبّل يد شيخ الجامع بتقدير مُصطَنَع، ويصافح كبير الحارة بإجلال زائف. لكنه ما إن يلج المقهى حتى يتبادل مع "القهوجي" السباب الفج.

​في داخله عزمٌ لا يلين على أن يصبح رجل أعمال عظيمًا وثريًا؛ إذ يرفض قانون الصعود التدريجي، ويتوهّم أنه قادر على الانطلاق مباشرة من القمة، وقد كلفه ذلك الكثير من الخسائر. يُغذّي هذا الوهم يقينُه المفرط بعبقريته ومهاراته الخارقة التي صاحبته منذ الصغر.

​مع كل خروج من السجن بتهمه المتعددة، يجد الحياة قد تغيّرت، لكن إمكانياته تتكيّف ببراعة مع المفردات الجديدة. تارةً، يمارس النصب على الناس بشخصية التاجر المُقنّع، الباحث الدارس لآليات السوق. وتارةً أخرى، يجتذب النساء بوسامته وأسلوبه الرقيق المخادع، ليستحوذ على أموالهن باسم الحب الزائف والزواج. ومؤخرًا، بعد هيمنة العالم الرقمي، احتمى بالمواقع والصفحات المُزيّفة لجمع المال عبر السطو على الخصوصيات ومساومة أصحابها.

​لقد غدا مستعدًا للربح بأي ثمن، ولو على حساب أقرب الناس إليه. استخدم نذالته واستغلاله مع ذويه حتى تبرؤوا منه، فتحوّل إلى منبوذ لا يجد وجهًا يعود به ولا وسيلة تعيد تقبله.

​في ليلة حالكة، دارت مشاورات واتفاقات سريّة مع مجموعة من الرجال في المقهى. وفي مفاجأة مدوّية لكل معارفه، انتشرت صفحات مدعومة تحمل اسمه عبر كافة التطبيقات، عليها صورة مُركّبة بمهارة فائقة وهو في هيئة الأكاديميين. ذكر المنشور الاحتفالي أنه قد نال أخيرًا "دكتوراه في السياسة الدولية"، وهو الذي لم يكمل شهادة الثانوية.

​قضى ليلته في تلقي التهاني والدعوات لحضور فعاليات سيعرض فيها خبرته. لقد بلغ قمة الصعود الزائف كما خطط، وتُوّج سيدًا في مملكة النصب الرقمي.

​لكن عندما عاد إلى حجرته، سقط بصره على صورته المشطورة في المرآة؛ لم يتحمل ذلك . امتدّت يده لتُلقي بكل ما طالته نحو المرآة؛ فحطّمها.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6136
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.