عبقرية السَّرد ودقـة التصوير في رواية أمنیچا للكاتبة عــــبير حـافـــظ
لا شكّ أن عنوان الرواية نصُّ موازٍ ، يفضي إلى النص المتن ، وقد جاء عنوان الرواية يحمل سمات التميز التي يجب أن يحملها العنوان ، فهو رسالة لغوية تعرّف بهوية النص ، وتحدد مضمونه ، وتجذب القارئ إليه .
وقد اختارت الكاتبة من مكونات العنوان الخمسة ( الفضائي – الزمني – الفاعل – الحدث " الحالة " – الشيء ) اختارت مكون (الحالة أو الحدث ) لتوافقها مع مضمون الرواية، بعبقرية وذكاء ، فالعنوان هو( أمنيجـــا ومعناه فقدان الذاكرةالجزئي) فجاء مشوقا، جاذبــًا
أمّا الصورة االبصرية التي تزيّن غلافَ الرواية فهي تعطي تصوّرات ورؤى مختلفة ، فلكل منا رؤيته التي تختلف من شخص لآخر ، بل قد تختلف لدى الشخص الواحد من وقت لآخر ، حسب حالته المزاجية ، ولكني أستطيع أن أقول إن الفضاءَ النصيّ قد تم تنسيقه بشكل من الروعة بمكان ، في الغلاف الأمامي وصفحة العنوان وصفحة الإهداء أما الغلاف الخلفي للرواية الذي يعتبر عتبة إشارية من عتبات النص تلتقط المخفي أوالجوهر من العمل الأدبي ، وتشيرإليه بحرص وعناية ، ولذا نجد معظم القراء ، وحتى الأدباء والنقاد يميلون إلى قراءة الغلاف الخلفي قبل تصفح الكتاب .
وقد أبدعت الكاتبة في اختيار ذلك المقطع من الرواية ، واعتباره عتبة إشارية في الغلاف الخلفي ، فهنا مضمون الرواية أو جوهرها .
أمّا عن الإهـداء فهو فريد من نوعه – شأن الرواية نفسها – حيث أهدَتْ الكاتبة روايتها إلى ( التي لن تقرأ الرواية رغم أنها بطلتها الحقيقية )
وقد جاءت العناوين الفرعية لفصول الروا ية مثيرة للإعجاب ، فقد ابتكرت الكاتبة نظامًا غير مسبوق في وضع العناوين الفرعية لفصول الرواية ، وذلك باختيار قول لأحد المفكرين أو الأدباء الكبار ، يتضمن أو يختزل مضمون الفصل في عبقرية وألمعية غير مسبوقة ، فنجد عنوان الفصل الثاني ( عندما يوضع الإنسانُ في قفص فإنه يتخبط في البداية ، ثم يبدأ بتزيين قفصه ) جون شتاينبك نجد أن مضمون الفصل ( النص المتن ) يدور حول هذا العنوان بالفعل .

وفي الفصل السادس تختار الكاتبة قول تشيخوف : ( يشعرُ الأشخاصُ الذين جمعتهم المأساة المشتركة بنوع من الارتياح عندما يجتمعون معــًا ) ويكون مضمون الفصل مندرجًا تحت هذا القول تمامًا . وإني لأتساءل : كيف استطاعت الكاتبة أن تختزل أحداثَ الفصل في هذا القول ، أوكيف بحثت عن قول لأحد الأعلام والمفكرين يصلح عنوانًا لمضمون فصل الرواية ؟ إنها عبقرية الكاتبة التي تمتلك أدوات فنها بمهارة .
وننتقل الآن إلى أحداث الرواية ، فقد تنوّع أسلوب الكاتبة بين الوصف السردي للأحداث وأسلوب التداعي الذي اعتمدت عليه كثيرًا في استحضارالماضي ، فاعتمدت على الوصف ، والحوار، والرسائل ، والمكالمات الهاتفية ، والكتابة ، والمنولوج الداخلي ، وذلك تبعًا للمقتضيات الفنية التي تتطلبها الصياغة .
وإن كان الارتداد إلى الخلف ، أو ما يسمى في العرف السينمائي " الفلاش باك " قد سيطر على أحداث الرواية بحكم أن أحداثها متداخلة بين الماضي والحاضر ، فقد استخدمت الكاتبة تكنيكــًا فنيًا ساعدها على إبراز الأحداث وتجسيد المواقف ، وكشف العالم النفسي للشخصيات ، حيث لعبت بعنصري الزمان والمكان ، بحيث تبدأ الرواية من الحاضر ثم ترتد إلى الماضي ثم تعود مرة أخرى إلى الحاضر ، بحيث يعتبر الحاضر امتدادًا للماضي ، فتتداخل الأزمنة ، لتعطي تنامي الأحداث تجددًا وحيوية ، فالأحداث لا تنمو نموًا تقليديًا ، يتصاعد فيه الزمان ، وإنما تتنوع الأحداث بين الماضي والحاضر ، لتتضح المفارقة ويبرز تأثير الماضي في الحاضر .
- فتبدأ الرواية بوجود بطلة الرواية " فريدة " في دار الضيافة " دار المسنين " تفقد جزءًا كبيرًا من ذاكرتها ، فلا تكاد تعرف مَن يزورها ، وترفض مكان تواجدها ، وتثور عليه ، ثم تتأقلم رويدًا رويدًا على المكان ، وتشعرُ بالحب والودّ مع نزلاء المكان الذين يساعدونها على استرداد ذاكرتها وتخطي محنتها ، وتتوقف أحداث الرواية ، لتعود بنا إلى الوراء عن طريق " الفلاش باك " ، لنعرف نشأة ( فريدة ) بداية من طفولتها حتى وصولها إلى دار الضيافة ، ونعرف الظروف والأزمات النفسية التي مرَّت بها، من أبٍ قاسٍ في معاملته معها ، ثم يتزوج الأب بامرأة أخرى غير أمها، ليتجذر الحزن في نفس فريدة منذ الصغر، فها هي تقول :
(تزوّج أبي من امرأة ٍأخرى بعد أن نمت تجارته في مجال بيع وشراء السيارات ، تأثرت بذلك الحدث إلى حدّ بعيد لأجلي ولأجل أمي .
ليلتها انغلقت على نفسي ، وأطفأت ضوء الغرفة ثم جلست أبكي ، وليست المرة الأولى التي أبكي فيها ، ولكنها المرة الأولى التي أحاول فيها أن أخفي دموعي عن أمي .
" الرواية 121
ثم تواجه فريدة مشاكل وأزمات اجتماعية ونفسية في ثلاث زيجات فاشلة ، وعمـَّق من حزنها موت أمها ، لنراها تعبّر عن ذلك تعبيرًا مؤثرًا في قولها : " كنت أكتم دموعي طيلة النهار ، ثم أسكبها على وسادتي في الليل " 171
ثم يتبدل حالها فتصبح ثرية بميراثها من زوجها الثالث ( سليم ) وتتطور الأحداث ، وتتزوج زواجًا عرفيًا بالمهندس ( مُحبّ ) الذي أحبته حبًا جمّا ، وتتطور الأحداث ، لتحدث الأزمات النفسية والاجتماعية ، ويحتدم الصراع النفسي بينها وبين أولادها ، لترى فريدة أن أحسن قرار أن تترك الفيلا – التي كانت تقيم فيها مع ابنها وزوجته – وتستقر في دار الضيافة ، وتختزل كل ذلك في قولها : " أحيانًا يكون أفضل شيء في علاقتنا ببعض الناس هو أننا لن نراهم مرة أخرى " الرواية 217
- وبواسطة الفلاش باك أيضًا ، نعرف سبب وجود " عفاف " في دار الضيافة ، وكذلك نعرف سبب وجود " نزيه " في دار الضيافة ، والكثير عن حياته الاجتماعية .
أما عن كيفية زواج " سهير " بـ " سليم " وحبها لـ " مُحبّ " زوج أختها ، فقد عرفناه بواسطة " الفلاش باك "
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك