الجهل ليس نقيضا للمعرفة، بل صورتها المعكوسة
تشهد مجتمعاتنا العربية اليوم تصاعدًا في التوترات السياسية والاجتماعية، وانهيار البنى الثقافية لصالح سرديات شعبوية تتغذّى على التواطؤ والتضليل. في هذا السياق، لا يعود الحديث عن استراتيجيات صناعة الجهل ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة تفرضها الوقائع. فلم يعد التواطؤ مع المحتل مجرّد نتيجة لقهر مادي، بل نتاجًا لجهلٍ مُمنهج، تسلّل إلى العقول عبر منظومات تعليمية مُوجَّهة، وخطابات إعلامية نمطية، ومنصّات تواصل تحوّلت إلى أدواتٍ لإنتاج الوهم وتعميمه. وفوق هذا، هناك أفراد اختاروا طوعًا تعطيل وعيهم والانجراف خلف خطابات طائفية ضحلة. حين نُصادف تعليقاتٍ تقطر تكفيرًا، أو تبرّر المجازر تحت يافطاتٍ قومية أو مذهبية رخوة، يتّضح أننا لا نواجه غيابًا في المعرفة، بل فائضًا مَرضيًا من التعتيم الممنهج.
اختُزلت المعرفة إلى محتوى استهلاكي، وتوارت الحقيقة خلف ضباب كثيف من «المعلومات». وفي خضمّ هذا المشهد المربك، يطرح كتاب «صناعة الجهل وتفكيكه» أطروحة مركزية: الجهل ليس فراغًا في الوعي، بل صناعة مُحكمة، لها بناها ومؤسساتها ومقاصدها. وعبر سلسلة من الدراسات المتنوّعة، يتتبّع الكتاب كيف يُنتَج الجهل عمدًا في مجالات كالتاريخ، والسياسة، والطب، والعرق، والإعلام، ليغدو أداة للهيمنة والتضليل، لا مجرّد أثر جانبي لقصورٍ معرفي.
هذا الطرح الجريء ينتمي إلى حقل الأغنطولوجيا، علم الجهل، الذي يُزحزح مركز الاهتمام من سؤال كيف نعرف؟ إلى سؤال أكثر خطورة: لماذا لا نعرف؟ ومن يُريد لنا أن نجهل؟
«بُذل جهدٌ عظيم كي لا نَعلم.»
«الشكّ منتجنا»
الجهل هنا لا يُفهم بوصفه نقيصة، بل كبنية فاعلة، مُمنهجة، مُمولة، ذات حماية قانونية، وأهداف سياسية. بل ويذهب الكتاب أبعد من ذلك، حين يظهر كيف يُصبح الجهل نظامًا يُدار ويُنتج، لا حالة مؤقتة أو قصورًا في الإدراك.
لكن برغم هذا الزخم التحليلي، يعاني الكتاب من غياب البنية الفلسفية العميقة؛ إذ تسرد بعض فصوله وقائع قوية، دون أن تؤسّس لنظرية فلسفية متماسكة تشرح الجهل بوصفه نسقًا وجوديًّا أو أخلاقيًّا. تبقى كثير من التحليلات حبيسة الإثارة الأخلاقية، من دون أن تُفتح على أفق أنطولوجي أوسع.
ثمّة نقصٌ في التنظير، يوازيه كذلك غيابٌ مؤسف لأدوات مواجهة هذا الجهل المُنتج؛ فالكتاب يصف بدقة، ويُعرّي بتوثيق قوي، لكنه لا يمنح القارئ الأدوات الإجرائية لتفكيك هذه البنى أو مقاومتها بفاعلية. كأننا نُترك في مواجهة الوحش بلا سلاح.
ومع ذلك، يمنح الكتاب لحظة فلسفية فارقة حين يوسّع المفهوم: الجهل لا يعمل فقط لصالح السلطة، بل قد يُستعاد من قِبل الشعوب المهمشة كأداة للمقاومة. السكّان الأصليون الذين يخفون معارفهم لحمايتها من التشويه الكولونيالي يقدمون مثالًا على أن "اللا-معرفة" قد تكون شكلًا من أشكال الحماية الثقافية.
«أن لا تعرف قد يكون شكلًا من أشكال المعرفة.»
«أن تصمت لا يعني دومًا أنك مكمَّم.»
«الجهل قد يكون نمطًا من الدفاع الثقافي.»
وفي السياق العربي، يُلقي هذا الكتاب ضوءًا كاشفًا على كيفيات اشتغال الجهل بوصفه آلية حكم، لا حالة عارضة. الإعلام الموجّه، المناهج المؤدلجة، تغييب الروايات البديلة، كلّها أدوات لإنتاج جهالات وظيفية تعيق النقد وتحوّل المثقف إلى موظف طاعة. إنّه جهل لا يُنتج من فراغ، بل يُنسَج على مهل، ويُدار كما تُدار السلطة.
وبرغم تمركز أمثلته حول السياق الأميركي، فإن أدوات التحليل التي يقدّمها تصلح لتفكيك البنى السلطوية في أيّ ثقافة، خصوصًا حين يتقاطع الجهل مع الدين، والهوية، والخطاب الجمعي. ولعلّ أعظم قيمة لهذا الكتاب أنه يُرينا أن الجهل ليس نقيضًا للمعرفة، بل صورتها المعكوسة، المصمَّمة.
«الجهل لا يُولَد، بل يُصنَع.»
«ثمّة نظام صُمِّم لكي لا نعرف.»
«مؤسساتٌ بأكملها تُبنى خصيصًا لتُبقينا في حالة جهل.»
في النهاية، لا يطلب الكتاب منّا أن نعرف كل شيء، بل يدعونا إلى السؤال الأخطر: من يقرّر ما يُقال، وما يُخفى؟ وما الذي يُراد لنا ألا نعرفه؟
وهنا، تبدأ المقاومة، لا بالضجيج، بل بصناعة معرفة مضادة، حرة، نزيهة، تُعلِي من شأن الحقيقة ولو قُدِّمت همسًا. فالعتمة لا تُهزم بالشتائم، بل بنقطة ضوء.
##نقاش_دوت_نت
مروة الجزائري

التعليقات
أضف تعليقك