المواطن عاق
كانت المذيعة الحسناء تحاول جاهدة، وهي تلقي على مسامعنا خبر انتحار أسرة كاملة قفزًا في البحر، أن تستجمع كل طبقات الصوت الواهن الحزين المتأثر،
لكنها لم تنجح، جاهدت ولكنها فشلت.
خبر صادم تقرأه بلا روح ولا إحساس.
أعزائي المشاهدين، فُجعنا جميعًا بخبر انتحار أسرة بأكملها: أب وأم وثلاثة أبناء صباحًا، والسبب كما أعلنته الجرائد: الحاجة والفقر.
ثم تلون صوتها، وتغيرت نبراته، واستلهمت حالة الخشوع،
معربة عن أسفها الشديد ورفضها لهذا الفعل:
أين الإيمان بالقضاء والقدر؟
ولنا في رسول الله أُسوة حسنة، فهو لم يكن غنيًّا!
أين الصمود والقوة في وجه الظروف؟
أين الصبر؟
لماذا لم يصبروا؟
وكيف يقرر الأب الانتحار جماعة؟ هل كان من الجماعة، ويقصد إحراج الحكومة وكشف تقصيرها؟ لماذا يتخذ القرار عن أبنائه وهم صغار؟ لماذا يقرر عنهم؟ أين الحرية التي يكفلها القانون؟ لماذا لم يُعطِهم شرف المحاولة والصمود في وجه الحياة، حتى ولو قاسية؟ هل ينفذ أجندة خارجية ويدع العالم يتكلم عنا؟
هل يريد تدخلات أجنبية؟ هل هو كاره للوطن؟
بصراحة، تناولت الموضوع من جميع الزوايا، ولم يقصر الإعداد معها، لكنها غفلت زاوية مهمة: زاوية المواطن نفسه.
هنا جاء وقت تقرير من مراسلة القناة من مكان الحادث، والتي نقلت الوضع من أرض الواقع. وبعد أن شكرت كل قوات النجدة والإسعاف والمنقذين لسرعة حضورهم ومحاولة إخراج الجثث، أوضحت أنه حتى الآن، وبعد حوالي عشر ساعات من الواقعة، لم يُعثر إلا على جثة المواطن عاق — عفوًا: عقل — وباقي الجثث جرفها التيار إلى أماكن أخرى، ولم يُعثر عليها بعد. وانتهى التقرير هنا.
ثم استُضيف رجل دين، أثنى على تفكيرها الإيماني العميق، وأن هذا هو النموذج الذي يحتاجه الوطن، وأن المواطن أخطأ، فهو رحل وعليه فواتير لم يسددها، أي إنه استفاد بالخدمات التي وفّرتها له الدولة ولم يُعطِها حقها، وهذا حرام، وأنه ضيّع على الدولة وقتًا ومجهودًا في البحث عن الجثث، وكان يجب أن يفكر في ذلك قبل إقدامه على الانتحار.
وضيفها الآخر رجل الاجتماع، الذي أتحفنا بنظريات ديكارت ونيتشه، ولم يقصر في مدى رؤيتها الشاملة الواسعة في ظل ظروف المنطقة.
ثم عرضت الأمر للمشاهدين، كل يدلو بدلوه، فالموضوع مثير، وتستطيع أن تجذب مشاهدات للحلقة.
وكانت الإعلانات على أشدها، بين كل كلمة ونهاية جملة، إعلان عن مدينة سكنية جديدة بمقدمات زهيدة، وفترة سماح طويلة للسداد، وتبدأ بمقدم ٥٠٠ ألف.
معنا مداخلة من صديق الأب المنتحر:
– مساء الخير يا فندم، تفتكر حضرتك سبب الانتحار إيه؟
– الأستاذ عقل، الأب، إنسان محترم وأب حنون.
– من فضلك، على أي أساس كلماتك تلك؟
هو انتحر، وتلك كبيرة، ولم يكتفِ، بل قتل أطفاله وزوجته، وهذه جريمة.
– الفقر يا أستاذة.
– لا، عفوًا، ليس سببًا للانتحار.
– الجوع.
– عفوًا، ماذا تقول؟
– لم يستطع دفع الإيجار، ولا فواتير الكهرباء والماء، ومصاريف مدارس أبنائه.
– ليس سببًا وجيهًا للانتحار.
– راتبه ٤٠٠٠ جنيه، هو زميل معي، ويعمل فترة أخرى، ويتحصل على ٥٥٠٠.
– إذًا هناك حل: أن يعمل إضافي.
– فعلاً، وعمل إضافي فعلاً.
– إذًا ما هي المشكلة؟
– إيجار منزله ٣٠٠٠،
وكان مطلوبًا منه أن يعيش هو وزوجته وثلاثة أبناء بـ٢٥٠٠.
لم يستطع.
– لماذا لم يعِش حسب مستواه؟
– وحضرتك عندك شك في ذلك؟ هو لم يجد مستوى ليعيشه.
– من فضلك، الدولة تفعل ما عليها وأكثر، ولن نُحمّل الدولة فشلنا.
– حضرتك، من جاب سيرة الدولة؟
أنا أرد على سؤالك فقط: لماذا انتحر؟ لأنه فضّل الموت، لأنه أرخص.
بعملية حسابية بسيطة، هو الكسبان،
وفّر الـ٥٥٠٠ كاملة للدولة، وهذه وطنية منه.
– عفوًا، مش فاهماك؟
– هو ده السبب الحقيقي.
أصبحنا لا نفهم، ولا نشعر، ولم نجد من يحنو علينا.
قولي: مات نقص حنان.
هنا انقطع الخط.
وعادت المذيعة الحسناء لضيوفها، موجهة كلماتها للمشاهدين:
– أعزائي المشاهدين، المواطن انتحر من نقص الإيمان.
وتخللت الحلقة إعلانات أخرى،
حتى مجيء الضيف الآخر، وهو قانوني وجهبذ، وأكد أنها جريمة، وعقوباتها في القانون، وأن المواطن أخطأ، ولابد للمخطئ من عقاب.
وانتهت الحلقة التي كانت على الهواء،
وصاح المخرج: حلقة هايلة يا أستاذة، هتكسر الدنيا!
انتشت المذيعة، خرجت من الاستوديو، مودّعة جماعة العمل،
وركبت سيارتها الفارهة، لتذهب لفيلتها، فهي متعبة من توتر الحلقة، وتردد كلمة “الفقر” كثيرًا، والذي تكرهه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك