من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ترجمة موسيقى الكلمات: الفن والمنهجية في نقل الشعر الإيقاعي

مصطفى عبد الملك الصميدي | باحث أكاديمي من اليمن
ترجمة موسيقى الكلمات: الفن والمنهجية في نقل الشعر الإيقاعي



ليس الشعر مجرّد خطاب لغوي تُحمَل فيه الدلالة على محامل الألفاظ، بل هو كيانٌ جماليّ مركّب، تتشابك في نسيجه اللغةُ بالإيقاع، ويتآزر فيه المعنى مع الرنين الصوتي، حتى يغدو الشكل والدلالة وجهين لجوهرٍ واحد لا يقبل الانفصال. وتستمدّ القصيدة سلطانها لا من معناها الظاهر فحسب، بل من بنيتها الموسيقية العميقة: من الوزن، والتوقيع الإيقاعي، والقافية، والتفاصيل العروضيّة التي تُنشئ استجابةً وجدانيةً وفكرية في آنٍ معاً. وهو ما يلتقي مع ما يؤكِّده والتر بنيامين حين يرى أن الترجمة لا تستهدف نقل المعنى العاري، بل الكشف عن الصلة العميقة بين اللغات، تلك الصلة التي تتجلّى في الإيقاع والنبرة قبل أن تتجلّى في الدلالة المباشرة. ومن هنا، فإن ترجمة الشعر–ولا سيما حين تكون موسيقاه مشدودة إلى نظامٍ إيقاعيّ صارم– لا تُختزل في نقلٍ معجميّ، بل هي فعلُ إعادة خلقٍ تأويلي، ومغامرةٌ جمالية دقيقة، يتقاطع فيها الوفاء للأصل مع ضرورة إنباتهِ حياً في تربة لغةٍ أخرى.


إشكالية الإيقاع والوزن


تواجه ترجمة الشعر الموزون شبكةً معقَّدةً من التحديات، مردّها إلى التباين الجوهري بين اللغات في بُنيتها الصوتية، وأنساق النبر، ونظمها المقطعية. فالوزن الشعري ليس قالباً خارجياً يمكن نسخه، بل عنصراً عضوياً فاعلاً في إنتاج الدلالة وتوجيه الأثر. وهذا ما تشير إليه سوزان باسنيت حين تؤكّد أن الموسيقى الشعرية ليست إضافة شكلية، بل جزء بنيوي من المعنى نفسه. وإيقاع القصيدة—سواء تجلّى في الخماسي (iambic pentameter) في الشعر الإنجليزي، أو في العروض الخليلي في الشعر العربي، أو في الاقتصاد المقطعي الصارم للهايكو الياباني—يسهم إسهاماً مباشراً في شحن المعنى وتكثيف حضوره الوجداني. ولعلّ سونيتات شكسبير تقدّم مثالا جلياً على ذلك، حيث لا يؤدّي التفعيلة الخُماسية وظيفةً زخرفية، بل تعمل بوصفها جهازاً إيقاعياً دلالياً، يضبط توتّر الخطاب ويُنمّي حركته الدرامية، وهو ما ينسجم مع قراءة دوغلاس روبنسون التي ترى المترجم شريكاً في إعادة توليد الطاقة الخطابية للنص. وغالباً ما تُنتج الترجمة الحرفية نصاً سليم المعنى، لكنه فاقد للنبض، منزوعاً من زمنه الموسيقي، وهو ما يلتقي مع نقد لورنس فينوتي لما يسمّيه "شفافية الترجمة" التي تُضحّي بالأثر الجمالي لصالح الوضوح السطحي. ومن ثمّ، يُطالَب المترجم بأن يكون صاحب حيلة لغوية وذائقة جمالية، يُعيد ترتيب البنية النحوية، ويُناور في المعجم، وربما يصوغ تشكيل الصورة، حِفاظاً على روح الإيقاع دون الإخلال بسلامة الفهم.


ويغدو التحدّي أكثر تعقيداً عند نقل الشعر العربي الموزون إلى لغاتٍ أخرى، إذ يتعيّن على المترجم التفاوض مع منظومةٍ عروضيةٍ صارمة، تتشابك فيها البحور، والتفعيلات، والزحافات، والعلل، بوصفها عناصر دلالية لا مجرّد قيود شكلية. فالقافية في الشعر العربي ليست خاتمةً صوتية فحسب، بل ذاكرة إيقاعية تتراكم عبر الأبيات، وتُسهم في توجيه التلقّي وتكثيف الأثر. ومن ثمّ، فإن ترجمة القصيدة العمودية، أو نصّ التفعيلة، إلى لغةٍ أخرى تستلزم حلول ابتكارية دقيقة، توازن بين الحفاظ على انتظام الإيقاع واستبقاء الشحنة الدلالية والصوتية التي يحملها النصّ الأصل، وهو ما ينسجم مع ما ذهب إليه أندريه ليفيفر في حديثه عن الترجمة بوصفها إعادة كتابة تحكمها أنساق ثقافية وجمالية.


منهجيات ترجمة الشعر الإيقاعي


تتعدّد المقاربات المنهجية في نقل الشعر الموزون. فثمة من يختار الترجمة الإيقاعية الحرفية، ساعياً إلى استنساخ الوزن والقافية والبنية المقطعية بأقصى درجات الأمانة، على نحوٍ يذكّر بمسعى يوجين نايدا إلى تحقيق التكافؤ، وإن كان التكافؤ هنا إيقاعياً وجمالياً لا دلالياً فحسب. ويمكن القول إن الترجمة الإيقاعية الحرفية تتطلّب انضباطاً صارماً في حساب المقاطع والنبرات، ما قد يفرض على المترجم التضحية بشيء من السلاسة الاصطلاحية لصالح الصرامة الشكلية. وتغدو هذه المقاربة ضرورية عند التعامل مع النصوص الكلاسيكية، حيث يُفضي الإخلال بالوزن إلى تصدّع الأثر الأدبي من أساسه.


 وثمة من يلجأ إلى الترجمة التكييفية أو التعويضية، حين يتعذّر النقل الحرفي للإيقاع، يلجأ المترجم إلى آليات التعويض، أي أنه يعيد هندسة الموسيقى داخل النصّ، أو يُجري تحويرات دقيقة في البنية اللفظية، ليحافظ على التوازن الصوتي العام، وتقوم هذه المقاربة على مبدأ الموازنة بين الأمانة الشكلية والانسجام الدلالي، بما يضمن استمرار الأثر الجمالي في لغة الهدف، وهو ما تسمح به، كما ترى باسنيت، مرونة اللغة بوصفها نظاماً مفتوحاً لا قالباً جامداً.


أما الترجمة الحرّة ذات الحسّ الإيقاعي، فهي تُقدّم التجربة الشعورية والموسيقية على الالتزام الصارم بالوزن، فتُجري تعديلات دلالية محسوبة لضمان انسياب النبرة وتدفّق الإيقاع، بحيث تمنح قارئ لغة الهدف تجربةً موازية لتجربة القارئ الأول. 


ومن حيث المقاربات المركبة، غالباً ما ينتهج المترجمون مساراً هجيناً، يمزج بين أكثر من تقنية، وفق مقتضيات النصّ وسياقه. فالمنهج المختار لا يُحدَّد سلفاً، بل يتشكّل تبعاً لطبيعة القصيدة، وخصوصيات لغة المصدر، وأفق التلقّي الثقافي واللغوي في لغة الهدف.


التأويل الإبداعي بوصفه ضرورة


 إن ترجمة الشعر الإيقاعي فعلٌ تأويليّ في جوهره، يتقمّص فيه المترجم أدواراً متعدّدة: لغوياً، وناقداً أدبياً، ومؤلّفاً ثانياً. فكلّ خيارٍ ترجمي—من الحفاظ على استعارة، أو الإبقاء على قافية، أو تعديل طول السطر—هو قرارٌ نقديّ يعيد تشكيل النصّ ضمن حدود لغةٍ أخرى. ويُبرز هذا التدخّل الإبداعي، رغم ضرورته، مسؤولية المترجم المزدوجة: تجاه الشاعر الأصلي وتجاه القارئ المرتقب، وهذا ما يلتقي مع ما يؤكّده روبنسون حين يرى أن المترجم لا يعمل خارج النص، بل في قلب توتّره الداخلي.


خاتمة


تقف ترجمة الشعر الإيقاعي عند تخوم الفن والمعرفة، فهي ممارسةٌ نقدية تتكئ على الذائقة، وفعلٌ جماليٌّ يستند إلى الوعي البنيوي. والمترجم فيها ليس ناقلا محايداً، بل وسيطاً خلّاقاً، يعيد بعث النص في سياقٍ لغويّ وثقافيّ جديد. فالترجمة الناجحة، كما يذهب فينوتي، لا تُرضي وهم الشفافية، بل تُنصت إلى موسيقى الاختلاف، وتُعيد إحياء النبض العاطفي والإيقاعي للقصيدة، لتجعله يخفق من جديد في جسد لغةٍ أخرى.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6222
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.